قد يعود الطاعون منتحلاً شخصية جرثومية مختلفة ليفتك من جديد، كما فعل مراراً عبر التاريخ، وأشهرها فظاعة حين سمي «طاعون جستنيان» زمن انطلاقه من الصعيد المصري وانتشاره بين عامي 541 و542 في أرجاء الأمبراطورية البيزنطية، فكبّدها أكثر من 50 مليون قتيل. ثم غطّ في قيلولة امتدت نحو ثمانية قرون، وفجأة انتشر ثانية على شكل بكتيريا جديدة سموها «يرسينيا» أدت إلى كارثة «الموت الأسود» التي حصدت نحو ثلث سكان أوروبا، وبلغ عدد ضحاياه من 1347 إلى 1352 نحو 50 مليوناً آخرين.
هذا القلق من عودة طاعونية لسلالة بكتيريا Yersinia pestis أو حتى «بكتيريا جستنيان» التي سبقتها، بارز بوضوح في بحث علمي منشور في العدد الحالي من مجلة «لانست» الطبية البريطانية الشهيرة.
في البحث الذي قام به الفريق الذي يقوده البروفسور ديفيد فاغنر، أستاذ علم الوراثة الميكروبية والجينوم بجامعة ولاية أريزونا الأميركية، ما يؤكد بالدليل أن بكتيريا «يرسينيا» لم تكن منفصلة عن التي سبقتها في القرن السادس وأطلق عليها اسم الامبراطور جستنيان الأول الذي انتشرت في عهده، بل بكتيريا لمرض واحد مختلفة في الحالتين وبشيفرة وراثية واحدة، وقد يعود ببكتيريا من نوع جديد أو ببكتيريا سبق أن ظهر عليها في الماضي، وكلها في النهاية شجرة عائلية واحدة.
ويشرح البروفسور فاغنر في البحث أن «يرسينيا» وصلت الى الانسان عبر الزمن من القوارض، كالجرذان والفئران وما شابه، "ولأن هذه القوارض موجودة حالياً وهي محضنها الأساسي وخزانها، لذلك فيمكن أن تظهر ثانية كما ظهرت بكتيريا جستنيان سابقاً".
وأورد البحث أنّ عينات دقيقة من طاعون «الموت الأسود» تم استخراجها من جثتي ضحيتين بالمرض في مقاطعة بافاريا بألمانيا، مع بكتيريا تم «إنعاشها» مجدداً بعد استخراج حمضها النووي من أسنان ضحايا طاعون جستنيان، تبين منها أنّ شيفرتهما الوراثية واحدة، أي أنّ المرض يمضي في رحلة تطورية، وأن بكتيريا طاعونية ثالثة ومختلفة انتشرت في هونغ كونغ الى بعض أجزاء من العالم في السابق يمكن أن تكون متحدرة أيضاً من طاعون جستنيان.
وكان «طاعون جستنيان» المعروف أيضا باسم «الطاعون الدملي» ضرب الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أي الإمبراطورية البيزنطية، بما فيها عاصمتها القسطنطينية، بعد أن تفشى في صعيد مصر، ومنه انتقل الى ما هي اسطنبول حالياً، لأنها كانت تستورد الحبوب من مصر. ويبدو أن السفن التي كانت تنقل الحبوب ربما نقلت العدوى، من خلال تلوث صوامع الحبوب في المدينة بالفئران والبراغيث الحاملة المرض.
وقد ذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس فظائع الطاعون حين انتشر في القسطنطينية، من أنه كان يقتل ١٠ آلاف من سكانها يومياً، وأنه مر بأوروبا، بل وصل حتى الى بلاد الشام والجزيرة العربية، فاتكا حتى العام ٧٦٧ بضحاياه بلا توقف، وأهمهم في العام ٥٩٠ بابا الفاتيكان الشهير بيلاجيوس.
أما «الموت الأسود» وطاعونه في أوروبا، فالانترنت مكتظة بالمعلومات عنه لمن يرغب، وبرسوم لفنانين تخيلوه مرعباً كما كان حقيقة.