Wednesday 29 Jun 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
باتر وردم خليج العقبة  
تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 / عدد 56
 منذ شباط (فبراير) 2001 أصبح خليج العقبة الأردني منطقة اقتصادية. هذه الخطة التي طال انتظارها وكثر الجدل بشأنها استكملت مراحلها التشريعية والمؤسسية، ولم يبق إلا تدفق الاستثمارات. ولكن ما تأثير هذا التطور الاقتصادي النوعي على البيئة الهشة في العقبة؟
لا يزيد طول الجزء الأردني من خليج العقبة على 27 كيلومتراً. وبما أنه الميناء الوحيد للأردن، فإن النشاطات البشرية ابتلعت معظم الشاطئ القصير في السنوات الخمسين الماضية. حالياً، لا يوجد إلا سبعة كيلومترات من الشاطئ في وضع "طبيعي" حيث لا موانئ ولا فنادق ولا أبنية سكنية ولا مصانع. لكن الضغط الكبير على التنمية في العقبة، والمنافسة الهائلة بين قطاعات النقل والسياحة والصناعة لاحتلال الشاطئ، تركا البيئة هناك تكافح في معركة صعبة ضد التدهور والتلوث.
بالرغم من كونه جسماً مائياً صغيراً نسبياً، فإن خليج العقبة يؤوي تنوعاً هائلاً من الشعاب المرجانية والحياة البحرية. فحوالى نصف شريطه الساحلي يتكون من شعاب مرجانية تمثل الحد الشمالي الأقصى لتوزع المرجان في العالم. وقد تمت مشاهدة أكثر من 192 نوعاً من الشعاب المرجانية الصلبة و120 نوعاً من المرجان الرخو في مياه الخليج. وتضمنت السجلات العلمية 268 نوعاً من الأسماك الاستوائية وشبه الاستوائية، في حين رفعت تقديرات أخرى العدد إلى نحو ألف نوع.
هذه الخصوصية البيئية للعقبة تتطلب استجابات إدارية متطورة تحافظ على البيئة وتحقق التنمية المستدامة في المنطقة. وتعتبر أنظمة منطقة العقبة متطورة إلى حد كبير مقارنة مع التشريعات والقوانين السائدة في بقية أنحاء المملكة. فهذه المنطقة الاقتصادية الخاصة يديرها مجلس مفوضين يضم ستة أعضاء. ويقول الدكتور بلال البشير، عضو المجلس المعني بشؤون البيئة والرقابة والتفتيش، ان مفوضية البيئة تلعب دوراً رئيسياً في رسم التصورات المستقبلية للمنطقة، خصوصاً أن التوقعات تشير إلى أن حجم الاستثمارات في المنطقة قد يصل إلى 6 بلايين دولار، مما سيعني زيادة المرافق والمنشآت الصناعية والسياحية بشكل ملحوظ. ولهذا فإن دور مفوضية البيئة يأتي بشكل أساسي في تحقيق التنمية المستدامة في المنطقة. فمن المعروف أن النشاط البشري يشكل خطراً على الحيود المرجانية التي تجتذب السياح والغطاسين من أنحاء العالم، الراغبين في التمتع بمناظر خلابة في البحر. ويقول البشير ان المادة 52 من قانون المنطقة الاقتصادية أعطتها صلاحيات كانت في السابق للمؤسسة العامة لحماية البيئة المتمركزة في عمان، كما خولتها صلاحيات وزير البلديات والشؤون القروية والبيئة.
من هنا، قامت سلطة المنطقة بتشكيل أنظمتها البيئية الخاصة التي تعتبر متقدمة بالمقارنة مع قانون البيئة الأردني لعام 1995. وبات على أي مشروع جديد في العقبة الحصول على "الموافقة البيئية" قبل تنفيذه. وهذا يعني أن المشاريع لا تعطى الضوء الأخضر قبل إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي للمشروع. أما المشاريع الأصغر حجماً فعليها الالتزام بالشروط البيئية الخاصة بالمنطقة، على أن يقوم موظفون من مفوضية العقبة بتفتيشها والتدقيق فيها بعد إنشائها.
وتتميز العقبة أيضاً باتباعها سياسة تخطيط الأراضي وتوزيعها حسب النشاط الاقتصادي، بحيث يتم الفصل بين المناطق الساحلية والمناطق الصناعية ومنطقة الميناء، فلا تتداخل. ويعطي أحد بنود الأنظمة البيئية الحق لمنطقة العقبة بفرض "عقوبات شديدة" على من يتسبب بتلويث البيئة، تتباين بين السجن والتغريم بمبالغ كبيرة قد تصل إلى 10 ملايين دينار (14 مليون دولار)، خاصة في حالات تلويث الخليج بالزيوت أو تخريب الحيود المرجانية. ولا تقتصر الإجراءات على تغريم السفن المخالفة، بل تتضمن تقدير الأضرار الناتجة وتعويضها وإزالة الضرر على نفقة المخالف.
وثمة نظام خاص بمنطقة العقبة يقضي بتحويل جزء من الساحل الأردني إلى "متنزه بحري" منعاً لإنشاء مشاريع ضخمة فيه، بهدف المحافظة على الحيود المرجانية الحساسة وتنظيم عمليات السباحة والغطس وتسيير القوارب.
ولا يقتصر عمل دائرة البيئة التابعة للمفوضية على الرقابة والتفتيش، بل يشمل البحث والدراسة ورصد نوعية الهواء والمياه ودراسة أنواع الأحياء التي تعيش في المنطقة والتي يُخشى أن يؤثر الزحف العمراني عليها. ومن الخطط المستقبلية إنشاء وحدة "شرطة ساحلية" تقوم بالتحقق من السلامة العامة ومراقبة التزام الموجودين في المنطقة بالأنظمة البيئية، لضمان بقاء الساحل نظيفاً وآمناً لكل من يرتاده.
وباعتبار العقبة الواجهة الساحلية الوحيدة للأردن، تؤكد مفوضية البيئة حرص ادارة المنطقة على حفظ التوازن بين التنمية الاقتصادية وسلامة البيئة في كل الخطط والسياسات التي ترسمها للسنوات العشرين المقبلة. لكن فادي شرايحة، المدير التنفيذي للجمعية الأردنية للغوص البيئي وهي المنظمة غير الحكومية المختصة بالحياة البحرية في الأردن، يحمل الكثير من الشكوك. وهو قال لـ"البيئة والتنمية" ان تحويل العقبة إلى منطقة خاصة وما يرتبط بذلك من تزايد النشاط الاقتصادي سوف يؤثر بلا شك على البيئة الهشة التي تواجه ضغوطاً كثيرة من القطاعات الاقتصادية المختلفة كالسياحة والنقل والتعدين والصناعة. وأكد أن من الممكن تقديم بدائل تنموية مستدامة، مثل السياحة البيئية وتخفيف التلوث وإدخال المفاهيم البيئية في التخطيط والتطبيق الدقيق لتعليمات تقييم الأثر البيئي. أما قانون حماية البيئة في العقبة، فوصفه شرايحة بأنه متطور، ولكن العبرة هي في التطبيق والتفعيل، والأهم من ذلك توعية المواطنين والسياح ببنود هذه القوانين قبل إنزال العقوبات والغرامات بهم. وقال ان جمعية الغوص البيئي تعمل على تدريب القضاة والضباط العدليين المكلفين بتطبيق القانون على مبادئ حماية البيئة البحرية.
وكانت عملية تحويل العقبة إلى منطقة خاصة تضمنت أيضاً إجراء دراسة شاملة لتقييم الأثر البيئي لهذا التحول، شاركت فيها القطاعات التنموية والإدارية المعنية، العامة والخاصة والأهلية. وقد وجدت الدراسة العديد من التأثيرات البيئية المحتملة للنشاطات الصناعية، وخاصة على الحيود المرجانية. وتتعرض دورة حياة المرجان في العقبة لمؤثرات بيئية، أهمها التلوث بغبار الفوسفات الناتج عن عمليات تحميله في الميناء، والنمو العالي للطحالب بسبب تزايد تركيز المواد المغذية في المياه، مثل النيترات في مواسم وأماكن معينة. وتتسبب عمليات تحميل الكبريت من الميناء الصناعي في تكديسه على الهياكل المرجانية ومنع تنفس المرجان. والأمر نفسه ينطبق على الإنشاءات قرب البحر وما تتسبب به من انجرافات تؤثر على المرجان، إضافة إلى النشاطات الإنسانية المختلفة. فمياه المحطة الحرارية، والمياه العادمة التي تصرّف في الخليج، من أهم أسباب التلوث وتؤثر أيضاً على حياة المرجان.
ووجدت الدراسة أن زيادة النشاطات الصناعية سيكون لها تأثير كبير على استهلاك الموارد المائية وزيادة الانبعاثات الغازية الملوثة. وتحاول الصناعات في العقبة السيطرة على انبعاثاتها باستخدام منتجات التكنولوجيا الرفيقة بالبيئة. إلا أن شراء هذه المعدات يتطلب رأسمالاً كبيراً، ولم يحقق تركيب بعض المعدات إلا نجاحاً نسبياً، خصوصاً أن معظم الصناعات الكبرى تشهد توسعاً في إنتاجها مما يعني زيادة نسب الانبعاث والتلوث.
وفي ما يتعلق بخطة استخدام الأراضي في العقبة والتأثيرات البيئية المحتملة، وجدت الدراسة أن هذه التأثيرات تختلف مع اختلاف النشاطات المسيطرة في كل منطقة. ففي المنطقة الصناعية الشمالية، حيث يتوقع بناء مدينة صناعية للصناعات الخفيفة وورش العمل النقالة، وتعديل موقع المطار الحالي، توقعت الدراسة مستويات عالية من انبعاث الأغبرة وإنتاج النفايات الصلبة وحدوث انجراف للتربة وخسارة بعض الغطاء النباتي. وفي منطقة المطار، من المتوقع توسعة شبكات المياه القائمة وتحسين أداء محطة التنقية، وستحدث انجرافات للتربة وتلوث من الأغبرة. أما في مدينة العقبة نفسها، فيتوقع تطوير التجمعات السكانية والطرق، مع ما سينجم عنه من آثار سلبية للإنشاءات، وإمكان انتقال أمراض من العمال الوافدين الى السكان. وفي منطقة الميناء الشمالي، ستجرى توسعة للطرق، وتقام قنوات تصريف مياه سينجم عنها اختناق مروري وانتقال ترسبات الى البحر وتدهور حالة المجتمعات المرجانية. أما في الشاطئ الشمالي، فسيحصل تطوير كامل للبنية التحتية، خاصة إنشاء محطات لتنقية المياه، وسينتج عن ذلك حدوث ترسبات من الإنشاءات تصل الى البحر، وكذلك تدهور وضع المرجان وتأثر عمل محطة العلوم البحرية ومراكز الغوص.
أما المنطقة الصناعية الجنوبية، فستشهد أكبر تأثير للمنطقة الاقتصادية الخاصة، حيث سيتم تطوير البنية التحتية، وإنشاء محطة تنقية ومحطة لتحلية مياه البحر، ومنطقة عازلة خضراء بين المصانع والمواقع السياحية المجاورة لها، ومصانع جديدة ولا سيما مجمع فضلات المصانع لإعادة استخدامها. وهذا سيعني التأثير على المناطق السياحية المتاخمة، وعلى المرجان بسبب أعمال الإنشاء والرسوبيات، بالإضافة الى التأثيرات التلويثية المتوقعة للمصانع الجديدة.
وتمحور البعد البيئي في الخطة الرئيسية على العوائق الطبيعية والبيئية للتنمية، وتم تحديد ثلاث فئات من استخدام الأراضي. الأولى تتكون من المناطق الممنوعة، أي تلك التي لن يسمح فيها بأي نشاط عمراني صناعي أو سياحي أو نشاطات نقل رئيسية، وحيث لا تعتبر الإجراءات الاحترازية خياراً مقبولاً أو عملياً. ومن الأمثلة على هذه الفئة الأولى المحميات المرجانية والمناطق السكنية ومناطق الآثار التاريخية. أما الفئة الثانية فتتكون من مناطق حساسة جداً ذات أهمية محلية أو إقليمية، يمكن أن يتم استخدامها بشكل محدود كالسياحة البيئية، حيث تكون الإجراءات الاحترازية عملية وذات جدوى. ومن الأمثلة على هذه المناطق متنزه العقبة البحري والمناطق المحيطة بمحطات الطاقة الحرارية ومناطق الشعاب الأحفورية. وتضم الفئة الثالثة مناطق ذات حساسية نسبية تكون فيها الإجراءات الاحترازية عملية، ويمكن دمجها ضمن إطار السياحة المستدامة والنشاطات السكنية وبعض نشاطات النقل الثانوية. ومن الأمثلة على هذه الفئة منطقة الفنادق الشمالية والمناطق البحرية العميقة والمنطقة السياحية الجنوبية.
وبالإضافة إلى تصنيف مناطق استخدام الأراضي، تضمن التقييم البيئي تحليلاً لعدة قضايا بيئية أخرى وتأثيراتها المتوقعة والإجراءات الاحترازية الممكنة. فعلى صعيد البنية الاجتماعية والاقتصادية، برز قلق بشأن قرب المناطق السياحية من المناطق السكنية، مما قد يهدد البنية الاجتماعية المحافظة في العقبة. وتضمنت بعض الاقتراحات المقدمة اقامة مناطق عازلة حول المناطق السكنية لحمايتها من النشاطات السياحية والصناعية. وعبر المشاركون في التقييم البيئي عن اهتمامهم بالحفاظ على المناظر الطبيعية، خاصة التزاوج بين المياه والنخيل والجبال كمظهر مميز للعقبة، وحمايته من التوسع غير المسيطر عليه للصناعات والمنشآت السياحية الحديثة.
كان هناك تخوف رئيسي من توسع المنطقة الصناعية الثقيلة في الشاطئ الجنوبي والتلوث المحتم الذي سينشأ عنه. بعض الأفكار الاحترازية تضمنت السيطرة على تلوث الهواء من النشاطات الصناعية، وتطوير خطط استجابات للطوارئ في حال حصول حوادث، ومراقبة النشاطات الصناعية، ونشر المعلومات حول التلوث، وتقليص الواجهات الصناعية على الشاطئ، وإعداد خطة إدارة بيئية للمنطقة الصناعية الجنوبية.
بينما تستعد المنطقة الاقتصادية في العقبة لتصبح قصة نجاح أردنية، أصبح مفهوماً الآن أن معايير النجاح يجب أن تتضمن حماية البيئة. فالقاعدة الأساسية للسياحة في العقبة هي البنية البيئية والطبيعية الفريدة التي تجذب السياح.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.