Saturday 03 Dec 2022 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
أمجد البطاينة وأحمد الشريدة (الكورة، الأردن) طواحين الحبوب في وادي الريان  
تشرين الأول (أكتوبر) 2005 / عدد 91
 وادي الريان، الذي كان يدعى في الماضي وادي اليابس، يقع في الجزء الجنوبي من لواء الكورة في شمال الأردن. وتغذيه عدة ينابيع، منها عين التنور وعين الحاج حسن وعين عبدالعزيز، وهي دائمة الجريان ويستفاد منها في ري أشجار الرمان التي تزخر بها المنطقة.
في وادي الريان طواحين للحبوب كانت تعمل بقوة المياه الجارية ضمن قنوات خاصة على مدار العام. وقد جسدت تلك الطواحين عراقة الوادي وأهميته في حياة السكان، واعتبرت موروثاً معمارياً ثقافياً ذا أهمية تاريخية واقتصادية واجتماعية منذ العهد العثماني، وما زالت تحافظ على هيبتها وجمال طرازها المعماري لتؤرخ طاقة البناء والاعمار وسط حياة غاية في القسوة. ومن أهمها طاحونة نصير التي بنيت عام 1847 وطاحونة حسين (1860) وطاحونة المشرع (1895) وطاحونة أم الحراثين (1913).
عام 1944 بنيت أول طاحونة تعمل على الديزل (المازوت) في منطقة المشرع غرب وادي الريان. فبدأ الناس يقصدونها ويبتعدون عن الطواحين التقليدية القديمة، التي بدأت تواجه نقصاً متزايداً في المياه، ثم توقفت عن العمل نهائياً في منتصف القرن العشرين بعد استبدالها بالمطاحن المركزية الحديثة.
كيف كانت تعمل؟
لعبت العوامل البيئية دوراً كبيراً في تحديد النمط المعماري للطاحونة ونوعية المواد الانشائية، إضافة الى طبيعة الأرض المقامة عليها ووفرة المياه الجارية. هذه العوامل مجتمعة أثرت في عملية تصميم النمط المعماري من حيث المساحة والشكل وحيز العمل. فقد توفرت في المنطقة المواد الخام للبناء ضمن نطاق وادي الريان. فأحضرت حجارة البناء من المنطقة الصخرية المجاورة، وأحضرت الجذوع المستخدمة في سقف الطاحونة من الأشجار الحرجية في غابات جبل برقش. أما حجر الطحن البازلتي فقد جلب من سهل حوران شمال الأردن المشهور بالصخور البازلتية البركانية السوداء.
تتكون الطاحونة من أربعة أجزاء رئيسية هي البرج، وقناة البئر، وغرفة الدولاب، وغرفة الطحن. وتتزود بالمياه بواسطة القناة المرفوعة على جسر مبني بالحجارة. وينحدر مستوى القناة باتجاه بئر تتوسط برجاً مربع الشكل يرتفع من 6 الى 10 أمتار. تسقط المياه بقوة الى قاع البئر، ثم الى فتحة جانبية متصلة بحجرة فيها دولاب خشبي أو معدني ذو "فراشات" تتحرك بفعل قوة تساقط المياه. ويتصل بالدولاب ذراع عمودي يحرك الجاروشة في الغرفة العلوية عبر فتحة في سقف غرفة الدولاب. وبفعل حركة حجر الجاروشة العلوي على حجر الجاروشة السفلي، يتم طحن القمح وأنواع أخرى من الحبوب كانت تزرع في الأراضي السهلية والمفلوحة. كانت الطاحونة الواحدة تطحن بين 10 أكياس و15 كيساً من القمح يومياً، أي بمعدل طن الى طن ونصف، وبشكل دقيق جداً وناعم. وكانت تعمل على مدار الساعة في أوقات الأزمات.
رغبت دائرة الآثار العامة الأردنية ومؤسسات المجتمع المدني في صيانة هذا الأثر التراثي المهم، الذي يجسد التاريخ الزراعي لمنطقة الكورة الأردنية وكفاح أهلها المستمر من أجل العيش المستدام في مواجهة ضنك الحياة وقسوتها. وبعد بحث ميداني معماري أفضى الى التعرف على آلية عمل الطواحين بأدق التفاصيل، نفذ مشروع لصيانتها وترميمها واعادة إحيائها. فتم تنظيفها وإزالة الأعشاب واستخراج الأتربة والطمي، وجمعت الحجارة المسطحة من بقايا الانهيارات لاعادة استخدامها وترميم الأجزاء المدمرة. وجرى البحث عن قطع حيوية لتشغيل الطواحين في الموقع نفسه، من دواليب معدنية وحجارة طحن ثابتة ومتحركة، ودرِّب بعض الشباب من سكان المنطقة على القيام بأعمال فنية معمارية في مجال الصيانة والترميم.
عودة من السبات
تعتبر طاحونة عودة أفضل هذه الطواحين من حيث تماسك بنائها. وهي تضم قناة لجر المياه بطول 11 متراً، مبنية على جسر من الحجارة المشذبة، وينحدر مستواها باتجاه بئر يبلغ عمقها نحو 7 أمتار تتوسط برجاً مربع الشكل. وتجاور البرج من الجهة الشمالية حجرة الطحن التي يبلغ طولها 5,6 أمتار وعرضها 3,5 أمتار، وفي أرضيتها فتحة يثبت فوقها حجر الجاروشة، ولها نافذة مطلة على الشمال. أما حجرة الدولاب، الواقعة تحت حجرة الطحن والمساوية لها في المساحة، فهي مستطيلة وسقفها برميلي الشكل، ولها مدخل مطل على الجهة الشمالية كانت تنساب المياه منه الى مجرى الوادي.
وبهدف التعريف بالتراث المحلي واعادة إحيائه، تم تشغيل طاحونة عودة، بعد ترميم مبناها واعادة تركيب الأبواب والشبابيك بشكل متناسق مع وضع الطاحونة الأصلي. كما تمت صيانة الأجزاء الموجودة وجلب الأجزاء المفقودة، وأخيراً تجميع آلة الطحن ومعايرتها تمهيداً لتشغيلها وإعادة الحياة اليها. وبذلك تكون طاحونة عودة أول طاحونة في الأردن تنهض من السبات لتعود الى الحياة.
إن "تدوير" المصادر التراثية المتمثل في اعادة استخدام طاحونة عودة قام على تتبع تاريخ الأجداد ومعرفة مدى استغلالهم المستدام للمصادر التي حباهم الله اياها، واحياء تراث معيشي زراعي ظن البعض أنه انقضى بفعل أدوات التكنولوجيا المعاصرة. وهي عملية استدامة تنموية شاملة، حيث عمل في ترميم الطاحونة أكثر من 33 شخصاً من أبناء المجتمع المحلي، من فنيي آثار وعمال، فوفر المشروع العديد من فرص العمل الدائمة والموقتة. هكذا أصبح هؤلاء شركاء لا أجراء في المشروع، الأمر الذي يدفعهم الى المحافظة على تلك الطواحين من العبث والتخريب، خصوصاً أنها بعيدة عن التجمعات السكنية.
وتتجلى عملية التنمية المستدامة لهذا المشروع الريادي من خلال ترويج وتطوير قطاع السياحة البيئية في لواء الكورة وتكامله مع السياحة الأثرية والتراثية والدينية، من خلال التشارك بين القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني. وسوف ينعكس ذلك في توفير فرص عمل جديدة لأبناء المنطقة وترسيخ بقاء المجتمع المحلي المحيط بالطواحين.
إن إعادة الحياة الى طواحين وادي الريان نموذج فعلي لانتماء الناس الى تراثهم وإصرارهم على صونه. وهي الآن شواهد حية على مرحلة تاريخية مرت بها منطقة الكورة، ومعالم تراثية سياحية جديرة بالاهتمام والمحافظة عليها من عاديات الزمن.
 
المهندس أمجد البطاينة، مفتش آثار لواء الكورة الأردني، أجرى بحثاً ميدانياً معمارياً للتعرف على آلية عمل الطواحين
وأحمد محمود الشريدة ناشط بيئي من لواء الكورة
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
عشرة قطاعات اقتصادية لعالم أخضر
جوليان كريب محميات بحرية على ساحل كاليفورنيا - مقاهي المفترسات
زوي شافي (دبي) السياحة والبيئة
عزة عبدالمجيد - عمّان مسار الأردن
أمجد البطاينة وأحمد الشريدة (الكورة، الأردن) طواحين الحبوب في وادي الريان
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.