Wednesday 17 Aug 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
النص والصور: باسكال عبداللـه سياحة بيئية في جبل لبنان  
نيسان (أبريل) 2006 / عدد 97
 كنت دائماً أتشوق الى رحلة بيئية في لبنان، ولكن لم تسنح لي الفرصة لأشفي غليلي. بصراحة، لا أفهم حتى الآن لماذا بدأ الناس فجأة يصفون رحلات المشي في الطبيعة بأنها رحلات بيئية. فالواقع أن كثيراً منها يشكل خطراً إضافياً على البيئة.
ذات يوم قرأت عن التنوع البيولوجي في الطبيعة، وأهمية التوازن داخل النظم الايكولوجية. وكان النص يتحدث عن وجود نوع من القريدس (الروبيان) يعيش في المياه العذبة في عيون أرغش، في شمال لبنان، على ارتفاع نحو 2000 متر عن سطح البحر. وهو موقع مهدد بالزوال مع كل النظام البيئي الذي يحويه، من جراء التلوث الناجم عن نشاطات الانسان غير المسؤولة. ومنذ ذلك الوقت ازدادت رغبتي في زيارة مواقع طبيعية ذات امتياز بيولوجي يستأهل الحماية، واللقاء مع الناس المحليين للتعرّف على عاداتهم وتقاليدهم، وتشجيعهم على حماية تراثهم الطبيعي والثقافي.
ليلة في الغابة
ذهبت قبل بضعة أسابيع في رحلة لمدة ثلاثة أيام الى منطقة الشوف، نظمتها شركة Cyclamen المتخصصة بالسياحة البيئية. بدأت الرحلة بالتجمع في بيروت، والتوجه جنوباً ثم شرقاً، صعوداً الى عين زحلتا حيث المدخل الشمالي لمحمية أرز الشوف.
قبل الدخول الى المحمية، قمنا بزيارة مركز التوعية البيئية هناك، مع أفراد متخصصين من المحمية وجمعية أرز الشوف التي تديرها. فأطلعونا على بعض نشاطات الجمعية لحماية الطبيعة وتوعية المجتمع المحلي، وكيفية التنسيق مع الوزارات المعنية (البيئة، السياحة، الزراعة...) للوصول الى حماية كاملة لجبل الباروك. وفي المركز رأينا مجموعة جميلة من الفراشات والنباتات تشكل قسماً من المتحف البيولوجي الناشئ في المحمية. وتناولنا وجبة غداء، علمنا أن عائلة تسكن في عين زحلتا تولت تحضيرها.
انطلقنا للمشي داخل المحمية. وكان الدليل المحلي يحذر دائماً بعدم الخروج عن الدروب المرسومة للزوار، كي لا نؤذي الكائنات غير المرئية. وشدد مراراً على عدم إحداث ضجيج، بل الاستماع الى أصوات الطبيعة.
انتهى بنا مشي اليوم الأول الى موقع مراقبة الحيوانات، حيث بنيت غرفة يستطيع المرء، من خلال فتحات في جدرانها، مراقبة الطيور والحيوانات التي تأتي ليلاً لتشرب في البركة المحفورة قربها. وشدد الدليل السياحي على عدم الضجيج، وحتى عدم الكلام ليلاً في هذا الموقع، وألا ندع الحيوانات تشم رائحة غريبة.
دخلنا الغرفة ووزعنا أغراضنا في أرجائها، وحضرنا المناظير (النواضير) في أماكنها. وأكلنا طعاماً لا تنبعث منه روائح، ورحنا ننتظر حلول الظلام كي نرى الحيوانات البرية. طال انتظارنا، وكدنا نفقد الأمل. فجأة ظهرت عائلة من الخنازير البرية مؤلفة من أم وصغارها، كانت تعدو نحو الماء للشرب ووقع أقدامها يطن في آذاننا. ثم راحت تحفر بأنيابها قرب البركة وتقلب التراب بحثاً عن البصيليات. وعند منتصف الليل شاهدنا ثعلباً عن بعد يتقدم نحو الماء وهو يتلفَّت يميناً ويساراً كي يتأكد من خلاء الدرب.
حلّ التعب والنعاس علينا بعد ساعات من المراقبة، فنمنا حتى الفجر. واستيقظنا باكراً على زقزقة العصافير، فراقبناها بالمناظير لفترة. وانتهز الدليل الفرصة ليرينا صور تلك العصافير المغردة في كتابه ويحدثنا عنها.
سهرة جبلية
كان اليوم الثاني مخصصاً للتعرف على أشجار المحمية وأهميتها للتربة والمياه الجوفية والتوازن البيولوجي في الغابة. وأعطانا المرافق معلومات علمية عن هذه الأشجار، خصوصاً الأرز. وبعد المشي بضع ساعات، تناولنا غداء خفيفاً قرب المدخل الجنوبي لغابة معاصر الشوف، في المكان المخصص لذلك. وكانت فرصة للراحة وشراء المواد الغذائية و"المونة" المعروضة في كشك المدخل، وهي من تحضير السكان المحليين المقيمين في القرى الملاصقة للمحمية الطبيعية.
تابعنا رياضة المشي في جبل نيحا، في القسم الجنوبي من المحمية. وانحدرنا غرباً حتى وصلنا الى قرية بعذران. هنا كانت محطتنا لليلة الثانية، حيث استقبلنا السيد نزيه باز الذي بتنا في منزله، بعد أن سهرنا مع عائلته وأصدقائه حول مائدة عشاء شهي من الطابع الجبلي اللبناني. وخلال السهرة تعرفنا الى تاريخ القرية وتقاليد أهلها واهتماماتهم ومشاكلهم اليومية.
أمضينا اليوم الثالث في ثلاث قرى ملاصقة للمحمية، هي بعذران والخريبة ومعاصر الشوف. وخصص هذا اليوم لاستكشاف التراث الثقافي، بعدما استكشفنا التراث الطبيعي على مدى اليومين السالفين. بدأنا جولتنا بزيارة مشغل الحرير عند مضيفنا نزيه باز، الذي أخبرنا عن صناعة العباءات وكيف انتقلت المهنة اليه من جده المعمّر 103 سنوات. وعلمنا أنه تعلم من جده أيضاً المداواة بالاعشاب، أي ما يدعى هنا الطب العربي، وأخبرنا عن بعض النباتات الطبية المهمة التي نجدها في الباروك. ورافقنا الى احدى معاصر العنب القديمة التي اهتمت البلدية باحيائها وإبراز معالمها. وزرنا آثار قصر شهابي قديم، واحتسينا القهوة عند الجيران، وأخذنا كثيراً من الصور الفوتوغرافية.
أكملنا مسيرتنا نحو الخريبة المجاورة، حيث استقبلنا سليم الأشقر ورافقنا في جولة على الأحياء القديمة. دخلنا معصرة زيتون تقليدية واطلعنا على طريقة العمل فيها. وشربنا من نبع الضيعة. و"حججنا" الى شجرة سنديان معمّرة يطلق عليها الأهالي اسم "شجرة الست سارة" ويعتبرونها مباركة، وأخبرنا أحد الشيوخ عن أهميتها في المعتقدات المحلية. وعندما حان وقت الغذاء، جلسنا في باحة بيت سليم، واجتمع الجيران وتناولنا الفطائر المخبوزة على "الصاج" والمحضرة بأيدي نساء القرية. وتبادلنا بعض الأخبار القروية الجبلية، ومن ثم بعض الأفكار عن السياحة الريفية المسؤولة وأهمية حفظ التراث القروي وحمايته.
بعد الغداء، رافقنا سليم على درب المشي الذي يربط قرية الخريبة بقرية معاصر الشوف ويمر بغابة سنديان. وعرّجنا على نبع ماء عذب حيث شربنا وأخذنا قسطاً من الراحة. وتوقفنا لاحقاً لزيارة احدى المغاور ـ المدافن العائدة للحقبة الرومانية. وهنا حدثنا دليل الرحلة عن أهمية الحفاظ على هذه المغاور الموزّعة في أنحاء لبنان.
ولما وصلنا الى ساحة معاصر الشوف، استقبلنا السكان مع عدد من أعضاء البلدية، وقدّموا لنا عصير التوت الطبيعي البارد. وبعد استراحة قصيرة تجولنا في القرية وزرنا بعض البيوت التراثية القديمة التي تمتاز بعناصر هندسية عريقة وفريدة. وأطلعنا دليلنا المحلي على نشاطات تستهدف الشباب بشكل خاص، تقوم بها لجنة التراث والثقافة في القرية خلال فصل الصيف عندما تعود معظم العائلات لتمضية هذا الفصل في البلدة. وأخيراً ودعنا مضيفينا وركبنا الباص الذي عاد بنا الى بيروت.
هكذا اكتملت رحلتنا البيئية، التي كان محورها محمية أرز الشوف الطبيعية، مع زيارة ثلاث قرى لبنانية تملك مشاعات وعقارات خاصة داخلها، ومن حق سكانها الاستفادة من مردود السياحة. وبرحلتنا هذه كنا داعمين للتراث الوطني الطبيعي والثقافي، من خلال الشراء على مدى ثلاثة أيام من القرى المحلية، والمبيت وتناول وجبات الطعام عند السكان المحليين، والمساهمة برسم الدخول الى المحمية، وزيارة بعض المواقع الاثرية والتاريخية. والأهم هو الدعم المعنوي لتشجيع السكان على عدم هجر قراهم بل الاهتمام بالتراث المحلي الثقافي بالتعاون مع لجنة المحمية.
وفهم المشاركون في الرحلة معنى السياحة البيئية والأسس التي تبنى عليها، من حماية الطبيعة، وايجاد فرص عمل للمجتمع المحلي، وإشراكه في التخطيط للمشاريع واقرارها وتنفيذها، والتفسير العلمي الواضح للتراث الطبيعي، مع الحرص على الزيارة ضمن مجموعة صغيرة.
لمعلومات عن برنامج الرحلات البيئية التي تنظمها "سيكلامان": E-mail: cyclamen@tlb.com.lb
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.