Monday 15 Aug 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
كاظم المقدادي لماذا التعتيم على التلوث الإشعـاعـــي في العراق؟   
كانون الأول (ديسمبر) 2007 / عدد 117
 خلال الأعوام الأربعة المنصرمة، نشرت ''البيئة والتنمية'' مقالات عديدة كتبتها عن التلوث الإشعاعي في العراق. وتساءلنا أكثر من مرة :هل سيتم تنظيف العراق من التلوث الإشعاعي؟ ومتى؟ وبدلاً من أن يجيبنا أحد من المسؤولين الجدد بالإيجاب، برزت قضايا سلبية أخرى، وتساؤلات أخرى ذات علاقة بالموضوع.
عندما كتبنا عن جريمة إستخدام ذخائر اليورانيوم المستنفد في الميادين ''الحية'' لحربين طاحنتين ضد العراق، ومن ثم ضد يوغوسلافيا، وضد أفغانستان، أكدنا بأن البنتاغون وحلفاءه، وفي مقدمتهم وزارة الدفاع البريطانية، يتسترون على الحقائق، ويلفقون، ''الأدلة'' و''البراهين'' النافية للأضرار البيئية والصحية الناجمة عن تلك الذخائر. والدافع لهذا الموقف افتضح :التنصل من مسؤولية استخدام سلاح مشع ومن نتائجه وتداعياتها. وتلك مسألة متوقعة و''عادية'' جداً، للتنصل من مسؤولية جريمة حرب دولية، أقلها الإدانة الدولية، وصولاً إلى تبعاتها القانونية والمالية.
وإذا كان تصرف البنتاغون هذا ''عادياً''، فليس عادياً، وغير مبرر إطلاقاً، بل غريب ومستهجن، أن تتخذ حكومة الدولة الضحية لأسلحة اليورانيوم المشع مواقف مماثلة،  متغاضية عن نتائج الجريمة، متسترة على كوارث وفواجع سببتها لشعبها، وهي متواصلة، مانعة الكشف عن معالمها.
هذا ما فعله نظام صدام حسين البائد، ودين على أفعاله، وتحمل مسؤولية كبيرة في ما حصل للبيئة والصحة العامة العراقية. وكانت أفعاله نابعة من طبيعته الدكتاتورية الإستبدادية، وثبت للقاصي والداني أنه كان نظاماً أرعن ومستهتراً، لم تهمه بيئة العراق ولا صحة شعبه وحياته. وعندما سقط استبشر العراقيون بسقوطه، طامحين أن يولي حكام العراق الجدد أهمية استثنائية لبيئتهم ولصحتهم وصحة أطفالهم، ويبذلوا قصارى جهدهم للتخفيف عاجلاً من الكوارث والمحن والخراب القائم.
بيد أن شيئاً من الطموحات لم يحصل على يد الحكومات المتعاقبة طوال السنوات الأربع المنصرمة. وحتى الحكومة الحالية، التي مر على تسلمها الحكم فترة غير قليلة، لم تنجز شيئاً يذكر. أما مجلس النواب المنتخب، والذي قدم أعضاؤه وعوداً كثيرة للناخبين، فلم تدرج على جدول أعماله، حتى اليوم، ولم تخطر على باله المشكلات البيئية المتفاقمة، مستكثراً حتى تشكيــل لجنــة للبيئــة ضمن لجانه الدائمة السبع والعشرين. ولم تقم لجنة ''الصحة والبيئة'' التابعة له حتى بالتعرف على المشكلات الراهنة، ولا بمناقشة أشدها خطورة، كالتلوث الإشعاعي، والدعوة الى دراستها، ووضع المعالجـــات العاجلة لها. حتى قانون البيئة، الذي طال انتظـــاره، لم تنظر الحكومة ولا البرلمان في مسودته حتى الآن. ومن يطالب النواب والحكومة بضرورة الالتفـــات الى المشكـــلات البيئية والصحية الناجمة عن التلوث، يعتبرونه ''بطران''، بذريعــــة أن أمامهم ما هو ''أهم'' من مشاكل البيئـــة والصحة العامة للنظر فيه.
لم يجر حتى اليوم تنظيف مواقع التلوث الاشعاعي، ولم تتخذ الإجراءات الجدية والفاعلة لتحقيق هذه المهمة الآنية الخطيرة، على رغم إثبات انتشاره الخطر من قبل علماء وباحثين مختصين، عراقيين وأجانب، أبرزهم الفريق العلمي الدولي المستقل المتخصص بالإشعاع والطب الذري، التابع لمركز أبحاث طب اليورانيوم Uranium Medical Research Center (راجع ''تقرير خاص: غبار اليورانيوم المشع يهدد العراق والخليج بكارثة'' للدكتور محمد الشيخلي، ''البيئة والتنمية''، كانون الأول/ديسمبر 2003). وأكده في ما بعد مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة البيئة العراقية، الذي أعلن قبل نحو عامين أنه حدد 317 موقعاً ملوثاً بدرجة خطيرة، وقام بنشر نتائج القياسات والفحوصات الميدانية التي أجراها في وسائل الإعلام العراقية. وعلى رغم محدودية إمكاناته وقلة كوادره العلمية والفنية وشحة معداته وفقر ميزانيته، كان عازماً على مواصلة الكشف عن بقية المواقع الملوثة.
وأعلنت وزيرة البيئة نرمين عثمان وجود مئات المواقع الملوثة بالإشعاع النووي (''البيئة والتنمية''، آذار/مارس 2006). بينما قدر خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة المواقع الملوثة بالآلاف. وكان البرنامج قد أعلن عن خطة لتنظيف المواقع الملوثة، ركزت على التلوث الكيميائي واستثنت التلوث الإشعاعي. فتساءلت ''البيئة والتنمية': لماذا تأجيل التلوث الإشعاعي في العراق؟ (كانون الأول/ديسمبر 2005). وكثرت الوعود، وآخرها وعد وزارة العلوم والتكنولوجيا، بالمساهمة في الكشف عن التلوث الإشعاعي، وعزل مواقعه وتنظيفها. وتساءلنا: متى تنظف المواقع العراقية الملوثة بالإشعاع؟ (العدد 112 ـ 113، تموز/يوليو ـ آب/أغسطس 2007).
الأمر الغريب الذي لفت انتباهنا هو توقف مركز الوقاية من الإشعاع فجأة عن اعتماد الشفافية في عمله، التي مارسها طوال عامين ونيف مجسداً إياها بالنشر. فلم ينشر، منذ مطلع العام الجاري، أي شيء من نتائج عمله اللاحق للكشف عن المزيد من المواقـع الملوثـة بالإشعــاع. وهو مـا دعـا المراقبين للتساؤل: هل توقف عن هـذه المهمــة بقرار من قادته، أم أنه منع من نشر المعلومات؟ وإذا كـان الإحتمـال الثاني وارداً، فمعنى هذا ان القوات المحتلة للعراق، بقيادة البنتاغون، ليست هي وحدها من لا يريد الكشف عن المواقع الملوثة بالإشعاع، وإنما ثمة مسؤولون متنفذون في الحكومة الحالية أيضاً، ربما كي لا يمنح النشر مشروعية للمطالبين بإيلاء المشاكل البيئية الإهتمام المطلوب، الذي سيعرقل المشاريع والمصالح الذاتية.
حادث جديد غريب ومريب
كي لا نتهم بتوجيه الاتهامات جزافاً، وجدنا من المفيد ذكر حادث جديد وصلتنا تفاصيله قبل أيام:
في محافظة البصرة، جنوب العراق، تم مؤخراً الكشف عن تلوث اشعاعي خطير في حقل نفط الرميلة الجنوبي من قبل باحثين عراقيين مختصين بالتلوث الإشعاعي (لدينا إسماهما وعنواناهما) أحدهما يعمل في شركة نفط الجنوب والثاني في دائرة بيئة محافظة البصرة. إلا أن مدير عام الشركة المذكورة (لدينا إسمه أيضاً)، المعين من قبل سلطة الاحتلال، رفض الإعلان عن التلوث. ليس هذا فحسب، بل قام بإيقاف الباحث الشاب الذي يعمل في شركته عن العمل، واعتبره ''مغرضاً''. وفي ما بعد إتخذ الإجراء نفسه بحق الباحث العامل في دائرة بيئة البصرة. غير أنهما لم يرضخا للتهديدات، وتكللت جهودهما المضنية بإحالة الموضوع الى وزارتي البيئة والعلوم والتكنولوجيا، وأثبت المختصون فيهما صحة ما اكتشفاه، حيث سجلت أجهزة قياس الإشعاع قراءات أعلى من 2800 ميكروراد في الساعة، وجرعات امتصاص عالية، وحُدد مختبرياً نوع العنصر المشع (اليورانيوم المستنفد). الباحثان يحتفظان بالنتائج المفصلة وبصور موثقة، علماً أن التقنيات التي استخدمت في الكشف كانت من النوع المستخدم عالمياً، وهي: التألق الكيميائي، وكواشف الأثر النووي، وأطياف غاما، فضلاً عن أجهزة قياس مختلفة الأنواع والمواصفات. وقد زوداني بنتائج قياسات كل جهاز من الأجهزة المستخدمة، وهي موجودة لدينا.
أما تداعيات التلوث الإشعاعي المذكور، فيؤكد الباحثان تفشي الأمراض ذات العلاقة بالإشعاع وسط الموظفين والمستخدمين العاملين هناك.
والمخجل والمخزي أنه بعد انتشار الفضيحة تحولت تهديدات المسؤولين الى وعود مغرية مقابل ''طمطمة'' الموضوع. وما زالت متواصلة حتى لحظة كتابة هذه السطور مساعي شراء الذمم وانتهاك شرف المهنة، على حساب سلامة المواطنين، مقابل غلق الموضوع، كما أخبرنا أحد الباحثين في رسالة إلكترونية من البصرة.
وقد عقد في بغداد في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 اجتماع كرس لدراسة موضوع التلوث الإشعاعي هذا، ضم نخبة من العلماء والخبراء المختصين بالتلوث الإشعاعي (لدينا أسماؤهم). وهم اقترحوا خطة للمعالجة، بإشراف أحد العلماء العراقيين (أحيل الى التقاعد قبل ايام)، ورفعوها الى وزير النفط عالم الذرة العراقي حسين الشهرستاني، الذي قام بدوره بعرض الموضوع على مدير عام شركة نفط الجنوب جبار علي حسين لعيبي ومعاونه محمود اللعيبي ووكيل مدير قسم البيئة في الشركة سعدي شاكر. الا أن هؤلاء تجاهلوا المقترح. ليس هذا فحسب، بل شرعوا بتهديد كل من يثير الموضوع مجدداً.
وكنا كشفنا النقاب في ''البيئة والتنمية'' قبل نحو عامين عن وجود دراسات عراقية منع نشرها، أثبتت التلوث الإشعاعي في صناعات أخرى، والعنصر المشع هو اليورانيوم. ومنها الدراسة التي كشفت وجوده في أحد المقالع المستخدمة في صناعة الاسمنت العراقي في محافظة الأنبار، والتي منع مسؤولو النظام السابق نشر أي شيء عنها، ولم يتخذوا أية إجراءات مطلوبة لحماية العاملين هناك والمواطنين. وحذرنا الجهات العراقية المسؤولة من إعادة استخدام وتدوير الحديد الخردة (السكراب) المضروب بذخائر اليورانيوم في الصناعات العراقية لمخاطره الإشعاعية.
من تداعيات التلوث الإشعاعي
نشرت وكالة أنباء IRIN الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في 31/5/2007  تقريراً  من البصرة،  أشارت فيه الى توقعات الدراسات الأخيرة بموت عدد أكبر من المواطنين بسبب السرطان في المحافظات الجنوبية. وأكد الدكتور حسين عبدالكريم، وهو اختصاصي بالأورام ومسؤول كبير لدى دائرة صحة البصرة، وجود تأثيرات خطيرة على صحة السكان المحليين نتيجة التعرض للإشعاعات وغيرها من العوامل المسببة والمحفزة للسرطان.
واستند التقرير الى دراسة عراقية صدرت في أوائل أيار(مايو) 2007، أجراها باحثون من كلية الطب في جامعة البصرة بالتعاون مع باحثين في وزارة الصحة، وعنوانها:''زيادة حالات السرطان نتيجة لمخلفات الحرب''، جاء فيها ان أمراض السرطان تعد الآن أحد أهم الأسباب لمعدلات الوفاة العالية في المحافظات الجنوبية. وأفاد خبير صحي من معدّي الدراسة بأن45 في المئة، على الأقل من الوفيات في المحافظات الجنوبية سببها السرطان. وأشارت الدراسة الى تسجيل عدد كبير من الوفيات المرتبطة بالسرطان بين النساء والأطفال في محافظتي البصرة وميسان، حيث ارتفعت معدلات سرطان الدم بين الأطفال بشكل كبير، لتزيد على 22 في المئة. كما أصيب عدد كبير من النساء بسرطان الثدي، بزيادة تصل إلى 19 في المئة، مقارنة بعام 2005.
وفوق هذا، يولد يومياً ثلاثة أطفال، كحد أدنى، من دون أطراف أو أعضاء في مستشفيات المحافظات الجنوبية. ونسب الخبراء الظاهرة  الى سنوات الحرب. وثمة حالات لأطفال ظهرت عليهم أعراض الأمراض السرطانية بعد أربعة أسابيع فقط من ولادتهم. ومثل هذه الحالات لم تكن معروفة سابقاً.
في المقابل، وبحسب تقرير لاحق لـ IRIN، يتواصل نقص أدوية السرطان. وقد طالبت المستشفيات المتخصصة بعلاج السرطان السلطات العراقية بضرورة توفير الأدوية، موضحة أن الانخفاض الشديد في احتياطها من الأدوية الأساسية بات يشكل خطراً على حياة آلاف المصابين. وأعلن إبراهيم محمد، وهو مسؤول رفيع المستوى في مركز أبحاث السرطان بوزارة الصحة، أن ''مرضى السرطان يموتون بسبب عدم توفر الأدوية في المستشفيات العامة، في حين تباع الأدوية في الصيدليات الخاصة بسعر مرتفع جداً لا تستطيع الأسر الفقيرة تحمله''.
وتعاني كل مستشفيات العراق من نقص في الأدوية الأساسية مثل Methotrexate المستعمل بشكل كبير في علاج سرطان الثدي والعظام، وبعض حالات سرطان الدم، وCyclophosphamide المستعمل في علاج سرطان الرئة والثدي والأورام اللمفاوية، بالإضافة إلى عقار Vindesine المستعمل في علاج كل الحالات المذكورة. وأضاف محمد أن ما يزيد الأمور سوءاً هو تعطل العديد من الأجهزة التي تستعمل في العلاج الإشعاعي والتي لا تزال تنتظر التصليح. وأوضح أن المعلومات التي وصلت إلى مركز الأبحاث أشارت إلى وفاة نحو 60 شخصاً على الأقل بالسرطان خلال آب(أغسطس) وأيلول(سبتمبر) الماضيين نتيجة عدم توفر الأدوية اللازمة للعلاج، إذ تتطور الإصابة لدى بعض المرضى بسرعة كبيرة في غياب العلاج الملائم. وإذا استمر الوضع على ما هو فسيموت المزيد خلال الأسابيع المقبلة.
وأفاد أطباء في مستشفى البصرة للولادة والأطفال أنه يتم التبليغ شهرياً عن 20 إصابة جديدة بالسرطان بين الأطفال وخاصة سرطان الدم.
وعبر الدكتور علي الهاشمي، اختصاصي الأورام في المستشفى: ''من المؤلم رؤية هذا العدد الكبير من الأطفال الذين يأتون إلى المستشفى وهم يعانون من السرطان، خصوصاً أننا نعلم مسبقاً بأنهم سيموتون لعدم تمكنهم من تلقي العلاج. ولكننا قد ننجح بإنقاذ 70 في المئة منهم إذا توفرت لنا الأدوية اللازمة''.
فمن له مصلحة باستمرار هذه الأوضاع الخطيرة وسط العراقيين؟
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.