Tuesday 21 May 2024 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
افتتاحيات
 
نجيب صعب البرامج الدولية: من المستفيد؟  
شباط (فبراير) 2002 / عدد 47
 أصبحت البرامج ذات التمويل الدولي العمود الفقري لعمل وزارات البيئة في الدول النامية. وتأتي هذه البرامج عبر منظمات الأمم المتحدة وسكرتاريات المعاهدات الدولية، كما تأتي من هيئات الاتحاد الاوروبي وصناديق التنمية في الدول الصناعية. وفي العالم العربي مبادرات كثيرة في هذا الاطار، منها ما يرتبط بالأوزون وتغيّر المناخ والبحار وموارد المياه والتنوع البيولوجي، عن طريق مرفق البيئة العالمي في الأمم المتحدة، ومنها ما يعنى بالتنظيمات والقوانين ومعالجة النفايات وحماية الموارد المشتركة، ضمن برامج التعاون الاوروبي المتوسطي، اضافة الى برامج مساعدات ثنائية تتولاها دول في طليعتها الولايات المتحدة وكندا واليابان وألمانيا وهولندا.
لطالما كانت مساعدة الدول النامية في حل مشاكلها البيئية في طليعة القضايا المطروحة على جدول أعمال المؤتمرات الدولية. فهذه المساعدات مطلوبة وضرورية كي يتمكن العالم النامي من اكتساب القدرة على اعتماد برامج التنمية المتوازنة بيئياً. وما يعطى منها هو في الحقيقة غير كاف، اذ ان الحاجة هي الى أضعاف ما يخصص حالياً من أموال لبرامج التنمية والرعاية البيئية في الدول الفقيرة. غير أن المشكلة لا تنحصر في حجم المساعدات، بل تتعداها على نطاق أوسع الى طريقة تنفيذ البرامج ذات التمويل الدولي. وهذا ينعكس مباشرة على قابلية البرامج للاستمرار وفائدتها الفعلية للدول الموجهة أساساً لخدمتها.
من المشاكل اختيار الأولويات. فتطبيق برنامج بالملايين لتحويل الصناعات الى أساليب لا تنتج عنها مخلفات تضر بطبقة الأوزون عمل مهم جداً. لكن المباشرة ببرنامج كهذا، واهمال معضلات التلوث الصناعي الاخرى، التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، في بلد تعتمد معظم مصانعه أساليب بدائية وترمي مخلفاتها في العراء أو تتخلص منها في شبكة الصرف العامة، عمل ينطوي على كثير من التناقض. وكان الأجدى في هذه الحال تطبيق المعايير الأولية لضبط مخلفات المصانع التي تلحق أفدح الأذى بالسكان المحليين، بدل تجاوز هذه المرحلة الى حل مشكلة الأوزون.
ومن الأمثلة الأخرى على سوء اختيار الأولويات: تنفيذ برامج متطورة لجمع المعلومات حول المؤشرات البيئية، في بلدان لا تتوفر فيها هذه المعلومات أساساً. وكان الأجدى في هذه الحال، بعد مرحلة تعيين أوجه النقص في المعلومات، تخصيص ميزانيات كافية للبحث العلمي والاستقصاءات الميدانية بهدف إيجاد المعلومات المطلوبة.
أما التنفيذ الانتقائي لمشاريع متفرقة داخل وزارات البيئة، فمعضلة أخرى خلقها تهافت البرامج الدولية. والمشاريع غالباً لا تأتي في اطار خطة عمل وطنية تعدها الوزارة، بل من ضمن "لائحة تسوّق" جاهزة يحاول مندوبو المنظمات الدولية ترويجها لتتناسب مع أولويات منظماتهم. فلا نعجب من برنامج للتوفير الفردي في استهلاك المياه مثلاً، في بلد تهدر معظم موارده المائية في البحر أو في شبكات التوزيع، بدل البدء ببرنامج وطني لتطوير الموارد المائية ومنع هدرها في الشبكات العامة. وكنا راقبنا في لبنان انهيار برنامج لمعالجة النفايات، بتخطيط وتمويل دوليين، حاول نقل تجربة المطامر الصحية من دول تفوق مساحتها لبنان عشرات المرات، وقام على تدابير انتقائية قبل تطوير خطة وطنية للنفايات.
إن مساعدة الدول النامية على حل مشاكلها البيئية، في المدى البعيد، تقوم أساساً على بناء قدراتها الذاتية. والبرامج الدولية، كما تنفذ اليوم، لا تخدم في هذا الاتجاه.
فبدل أن يتم دعم قدرات الأجهزة الفنية والادارية في الوزارات وتدريبها، تقوم معظم البرامج الدولية بزرع وحدات فنية مستعارة وموقتة لتنفيذ مشاريعها داخل الوزارات، ويتصرف موظفوها مثل المستشرقين الزائرين. ان معظم موظفي البرامج الدولية، الذين يقضون بين سنة وخمس سنوات في الوزارات، يتمتعون بكفاءات عالية، وكثيرون منهم ينفذون مهماتهم بجدارة. لكنهم يبقون جسماً غريباً عن هيكل الوزارة الأساسي. ونحن هنا لا نتحدث عن الخبراء الأجانب الذين تستقدمهم المنظمات الدولية لمهمات استشارية قصيرة، بل نعني مديري البرامج المحليين الذين توظفهم على حسابها في الوزارات. هؤلاء يتقاضون رواتب تفوق بأضعاف ما يحصل عليه موظفو الوزارة الثابتون الذين يتمتعون بمؤهلات مشابهة، ما يؤدي الى تسميم العلاقة. كما أن الوزارة تعجز عن ضمهم الى ملاكها عند انتهاء البرنامج الدولي، لأنها لا تتحمل الرواتب التي اعتادوا تقاضيها من المنظمات الدولية. وفي غالب الحالات، يحمل موظفو البرامج الدولية، بعد انقضاء فترة العمل في الوزارة، خبرتهم التي اكتسبوها خلال سنوات، للعمل في القطاع الخاص أو الالتحاق بوظائف دولية في الخارج. فتكون البرامج الدولية نجحت في بناء قدرات الأفراد وفشلت في بناء القدرات الذاتية للمؤسسات العامة.
قد تصح طريقة العمل هذه في شركات المقاولات المتعددة الجنسية، التي تنفذ جسراً أو مبنى في بلد ما، وينتقل موظفوها عبر القارات لتنفيذ جسر آخر. أما البرامج البيئية للمنظمات الدولية فتقوم أساساً على بناء القدرات البشرية، وهي تحتاج الى الخبرات لضمان الاستمرار.
في بداية التسعينات، كلفني برنامج الأمم المتحدة للبيئة إعداد خطة عمل لوزارة بيئة في بلد عربي. كان الوزير يستخدم مكتبه الخاص مركزاً للوزارة، ويعتمد على موظفي شركة المقاولات التي يملكها لادارة شؤونها. الشرط الأول الذي وضعته في الخطة كان بناء مؤسسة في الوزارة، وربط صرف أموال البرامج الدولية بجدول زمني وفق تطوّر تنظيم الوزارة واكتمال جهازها الفني. لم يكن هدفي عرقلة عمل الوزير، الذي كان في الواقع يصرف على الوزارة وموظفيها من جيبه الخاص، بل كان الهدف الضغط في اتجاه بناء نواة مؤسسة فاعلة في وزارة البيئة، تستطيع الاستفادة من المساعدات الدولية ضمن خطة مستقبلية متكاملة. فبناء الخبرات والقدرات والمؤسسات عملية تراكمية لا يمكن أن يتولاها موظفون زائرون موقتون. هذا الترتيب لم يستمر طويلاً، إذ تدفقت على الوزارة برامج ذات تمويل دولي من منظمات أخرى لم تضع شروطاً لبناء القدرات الذاتية، فاستفادت منها مجموعة من مديري المشاريع الموقتين، الذين ما لبثوا أن غادروا عند انتهاء عقودهم، بحثاً عن وظائف مجزية أخرى. وبقيت الوزارة بلا مؤسسات فاعلة خبيرة.
قد لا يعطي أسلوب بناء المؤسسات الوزراء فرصة الاعلان عن برامج وانجازات مزعومة في مؤتمرات صحافية واحتفالات اسبوعية، تمولها البرامج الدولية التي يتولاها المستشرقون البيئيون. لكن بناء القدرات الذاتية لمؤسسات البيئة يبقى الطريق الوحيد الى تنمية حقيقية قابلة للاستمرار.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.