Monday 15 Aug 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
افتتاحيات
 
نجيب صعب الصين وأميركـا: عمـلاقان يتحكمان بمناخ العالم  
كانون الثاني (يناير) 2010 / عدد 142
 قد يكون أبرز ما تمخضت عنه قمة المناخ في كوبنهاغن هو التحالف الصيني ـ الأميركي، الذي يبدو أنه سيطبع القرن الحادي والعشرين بطابعه. لقد كان الاتفاق بين العملاقين الجديد والقديم، في الساعات الأخيرة للمفاوضات، بمثابة انقلاب، لم يهمّش الدول النامية فقط، بل وضع الدول الأوروبية في موقف المتفرج. وبنبرة لا تخلو من المرارة، حاول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وزعماء أوروبا التنقيب عن بعض ايجابيات في هذا الاتفاق الأعرج، فاعتبروه ''بداية''. ومن يعيش سينتظر ليشهد على النهاية. فلو تم الالتزام بالحد الأعلى لتخفيضات الانبعاثات التي أعلنت عنها الدول حتى انتهاء قمة كوبنهاغن، سيرتفع معدل حرارة العالم ثلاث درجات مئوية، وهذا يتجاوز خمسين في المئة حد الدرجتين الذي أجمع عليه العلماء كخط أحمر لا يجوز تخطيه. والمعلوم أنه على حدود الدرجتين سترتفع البحار 59 سنتيمتراً وتنقرض الأنواع بنسبة 20 الى 40 في المئة، عدا عن شح المياه والجفاف. وقد تم تحديد نهاية كانون الثاني (يناير) 2010، موعداً لتقدم الدول التزاماتها النهائية لتخفيض الانبعاثات.
الصين، وهي اليوم المصدر الأكبر لغازات الاحتباس الحراري، رفضت أية قيود ملزمة للحد من انبعاثاتها. وفي حين عرضت تخفيضاً طوعياً لما سمته ''كثافة الكربون'' بما بين 40 و45 في المئة من 2005 الى 2020، عارضت أية رقابة دولية جدية بحجة ''السيادة الوطنية''. الولايات المتحدة، التي وعدت بتخفيض الانبعاثات 17 في المئة بين 2005 و2020، أي 3 في المئة قياساً بسنة 1990 التي اعتمدتها الدول الأخرى، عليها انتظار موافقة مجلس الشيوخ، فهل تنتظر بيئة العالم؟
الاتفاق الصيني ـ الأميركي، الذي قابله المؤتمر بـ''أخذ العلم''، أعطى أكبر ملوِّثَيْن في العالم فترة سماح إضافية، ريثما يتم البحث عن مخارج. لكن على الرغم من حصول الصين على لقب ''الملوث الأكبر''، ما زالت حصة الفرد الأميركي من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون (21 طن) أربعة أضعاف حصة الفرد الصيني (5,5 أطنان). وما زالت حصة الفرد الهندي من الانبعاثات 1,2 طن، بينما حصة الفرد في معظم الدول الفقيرة تقل عن هذا حتى. حصول خمسة مليارات من سكان الدول النامية على أبسط متطلبات الحياة الكريمة، سيؤدي إلى زيادة الانبعاثات أضعافاً، إذا ما استمر الاستخدام التقليدي للبترول والفحم الحجري لانتاج الطاقة، بدلاً من تطوير أساليب أكثر كفاءة وأقل تسبباً بالانبعاثات، واعتماد الطاقات المتجددة.
للدول النامية الحق الكامل بتطوير اقتصاداتها وتنمية شعوبها. ولها حق على الدول المتقدمة بطلب المساعدة الانمائية المتراكمة الموعودة، التي تم اقرارها قبل عصر مشاكل تغير المناخ. ففي عام 1970 أقرت الأمم المتحدة بالاجماع نسبة 0,7 في المئة من الناتج القومي في الدول المتقدمة كمساعدات سنوية للدول النامية. منذ ذلك الوقت، لم تتجاوز النسبة الفعلية 0,2 في المئة. فالفواتير المتراكمة كبيرة، والمطلوب اليوم بين مئة ومئتي بليون دولار اضافية سنوياً مساعدات لتخفيف مسببات تغير المناخ والتكيف معها. ما تم عرضه في كوبنهاغن عشرة بلايين سنوياً، مع الوعد بأن تصل إلى مئة بليون سنة 2020 ـ أي عشرة مليارات بسعر اليوم. وفي غياب أي التزام بخفض الانبعاثات للحد من المسببات، تبقى المساعدات المالية المحدودة لمعالجة الآثار بمثابة زرع كلية جديدة لمريض مشكلته إدمان الكحول، بدلاً من معالجة الادمان. فهل يكون ما صدر في كوبنهاغن دعوة الى استمرار الادمان على استهلاك الوقود بأساليب ملوثة؟ عدا عن المساعدات المالية الضرورية، فالدول النامية تحتاج إلى نقل التكنولوجيا لتضع قيد العمل أساليب فعالة للتعامل مع مسبباتتغير المناخ ونتائجه.
إلى وقت قريب، كان يتم ربط التنمية بحتمية ازدياد الانبعاثات. لكن حتى الصين والهند والولايات المتحدة، التي شاركت في الاتفاق ''الانقلابي'' للتفلت من قيود ملزمة، وضعت على نفسها قيوداً طوعية لتخفيض الانبعاثات، عن طريق كفاءة استخدام الطاقة التقليدية وتوسيع استخدامات الطاقة المتجددة. ويذكر أن برامج الطاقة المتجددة في الصين والهند هي الأضخم في العالم، وسيبلغ إنتاج الهند من الكهرباء الشمسية 20 جيغاواط سنة 2020، ما يعادل 75 في المئة من مجمل الانتاج العالمي من الطاقة الفوتوفولطية. فالجميع يدرك الآن أن نمط التنمية الوحيد المقبول هو التحول إلى ''الاقتصاد الأخضر''، الذي يقوم على الانتاج النظيف وتعديل أنماط الاستهلاك. الخلاف هو على من يبدأ ومن يدفع الثمن؟
كما بقية العالم، فالخيار الوحيد المستدام في العالم العربي هو التنمية الخضراء، التي تؤمن التحول من "الاقتصاد الافتراضي" في بعض دول المنطقة الى اقتصاد واقعي ''أخضر''، يؤمن التنوع في مصادر الدخل، ويخلق فرص عمل ثابتة. ويشمل الاقتصاد الأخضر برامج لكفاءة استهلاك الطاقة واستخدامات الطاقة المتجددة والعمارة الخضراء وتطوير البنى التحتية وادارة المياه والغابات.
أما الهلع الذي تظهره بعض الدول المصدرة للبترول من كل اتفاق للحد من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، وكأنه مؤامرة ضدها، فقد تحول في حالات كثيرة إلى ''عقدة اضطهاد'' لا مبرر اقتصادياً لها. فحتى لو توصلت قمة كوبنهاغن إلى الاتفاق على الحد الأقصى الذي كان مطروحاً لوقف تركيزات ثاني أوكسيد الكربون عند حدود 450 جزءاً في المليون، لكان انتاج النفط سيرتفع 11 مليون برميل إضافي سنة 2030، وستتضاعف أرباح دول منظمة أوبك أربع مرات.
على الرغم من المماحكات السياسية، فما زال الاجماع العلمي يؤكد أن المناخ يتغير بسبب النشاطات البشرية، وأن الحد من الكارثة يتطلب تخفيض الانبعاثات العالمية 50 في المئة سنة 2020 و80 في المئة سنة 2050. وقد يكون صديقنا محمد الصبان، المفاوض السعودي البارع، الوحيد الذي ما زال يقاتل ضد التيار، متخذاً من آراء قلة من المشككين ذريعة لعدم القبول بالاجماع العلمي حول تغير المناخ، تماماً كما كان البعض قبل سنوات قليلة يشكك بمضار التدخين. وأرجو أن يكون قد قرأ الأرقام التي نشرتها مصلحة الأرصاد البريطانية الشهر الماضي من أن السنوات العشر الأخيرة كانت الأكثر حرارة خلال 160 عاماً، وسنة 1998 كانت الأكثر حراً على الاطلاق منذ بدء تدوين سجلات الطقس. وأرجو أن يكون قد وجد في فيضانات جده، الناجمة عن سيول طبيعية، تحذيراً للآتي الأعظم حين تضرب بلداننا الآثار الفعلية لتغير المناخ.
الخطير في الأمر أن تجد بعض الدول العربية من النتائج الملتبسة لقمة كوبنهاغن ذريعة للتقاعس في اتخاذ الاجراءات الضرورية لتكون مستعدة لمواجهة آثار التغير المناخي، وهي ستكون بين الأكثر عرضة لها، خاصة في المياه العذبة والجفاف وانتاج الغذاء وارتفاع البحار. وجواباً على المشككين، نقول إن تحدي تغير المناخ يجب معالجته كأي قرار آخر يُتخذ في مواجهة الشك، أي من وجهة ادارة المخاطر أو نظام التأمين. وباستخدام مبدأ التأمين، فما دامت هناك أرجحية كافية لحدوث ضرر جوهري، علينا اتخاذ اجراءات وقائية مدروسة تكون تكاليفها مبرّرة تماماً.
على العرب بدء العمل فوراً على الاستعداد لمواجهة تغير المناخ في القطاعات التالية:
1. الموارد المائية: تحسين الكفاءة، خصوصاً في الري الذي يستخدم نسبة 70 في المئة من المياه يمكن تخفيضها الى 40 في المئة، وتطوير موارد مائية جديدة، بما في ذلك تكنولوجيات مبتكرة لتحلية المياه المالحة.
2.إنتاج الغذاء: تطوير أصناف جديدة من المحاصيل تستطيع التكيف مع ارتفاع درجاتالحرارة وتبدل الفصول، وتحتاج الى مياه أقل، وتتحمل ارتفاع الملوحة.
3. ارتفاع مستوى البحار: تكييف أنظمة البناء واستخدامات الأراضي بما يتماشى مع الارتفاع المحتمل في مستوى البحار.
4. البنية التحتية والأبنية: عند اختيار مواد وتقنيات الانشاء التي تستخدم في الأبنية والطرقات وشبكات المنافع، يجب مراعاة خطر ارتفاع درجات الحرارة وهبوب العواصف، لجعلها قادرة على مقاومة تأثيرات تغير المناخ. ويجب أن يكون ما حصل في مدينة جدة السعودية من فيضانات نتيجة السيول، وقبلها في دبي بسبب تدفق مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر، دافعاً لضرورة تحديث البنى التحتية لمواجهة التأثيرات المحتملة لتغير المناخ، وهي أكبر بكثير مما نعانيه اليوم.
5. التنوع البيولوجي: تطوير آليات لتنسيق إجراءات الحماية عبر الحدود السياسية، لدعم بقاء الأنواع الحية وقدرتها على التكيف، وانشاء بنك اقليمي للموارد الجينية.
6. الصحة البشرية: إجراء البحوث المتخصصة وتكييف النظم الصحية البشرية وضمان جهوزيتها للاستجابة لعواقب تغير المناخ، خصوصاً انتشار ناقلات الأمراض، اضافة الى أمراض الحساسية والأمراض الرئوية التي يسببها ازدياد موجات الجفاف والعواصف الرملية.
7. السياحة: استكشاف وترويج خيارات لسياحة بديلة أقل تأثراً بتغير المناخ، مثل السياحة الثقافية والتراثية. وعلى البلدان التي لديها مناطق ساحلية منخفضة أن تطور مقاصد سياحية داخلية بديلة.
على الدول العربية أن تعمل فوراً على برامج للاستخدام الرشيد لموارد النفط والغاز القيّمة والمحدودة على الكوكب، والاستثمار في تطوير تقنيات فعالة للاستخدام الأنظف للبترول مثل تجميع الكربون وتخزينه، ووضع برامج لكفاءة الطاقة التقليدية والطاقة المتجددة، بما فيها الشمس والرياح. وعلى كل دولة أن تنشئ مجلساً أعلى لتغير المناخ، بمشاركة جميع الوزارات المعنية ورئاسة أعلى سلطة في الدولة، وانشاء هيئة تقنية تزود المجلس بتقييمات حول تغير المناخ وردود الفعل الممكنة. وعليها أن تنشئ مركزاً اقليمياً لتنسيق البيانات والأبحاث والمعارف العلمية في موضوع تغير المناخ، ودعم نشاطات الأبحاث والتدريب لاعداد الكوادر الفنية اللازمة.
واثباتاً لالتزامها، يمكن للحكومات العربية أن تصدر سريعاً قرارت بتطوير النقل العام واعفاء السيارات الهجينة (هايبريد) من الرسوم الجمركية ورسوم الطرق، وتطبيق نظام حوافز ضريبية على المعدات والأدوات والآليات والمواد الموفرة في استهلاك الطاقة، بالتوازي مع زيادة الرسوم على تلك الأكثر تلويثاً، وتطوير قوانين البناء لفرض كفاءة استهلاك الطاقة وتوسيع المساحات الخضراء، بما فيها السطوح الخضراء في المدن، وتحرير احتكار انتاج الطاقة للافساح في المجال أمام الاستثمارات الخاصة في الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح وتغذية الشبكة العامة بها مباشرة. كما يمكن وضع أهداف محددة مثل تحسين كفاءة الطاقة بنسبة 40 في المئة والاعتماد على الطاقة المتجددة بنسبة 20 في المئة بحلول سنة 2020.
كل هذه تدابير ضرورية ومفيدة للدول العربية، التي تعاني شح المياه والجفاف وتلوث الهواء، بغض النظر عن تغير المناخ.
من ايجابيات قمة كوبنهاغن أن الـ 193 دولة المشاركة أجمعت على ضرورة التصدي لمشكلة تغير المناخ، واضطرت الولايات المتحدة والصين، لأول مرة، لوضع أرقام لتخفيض الانبعاثات. فلتتحملا المسؤولية أمام العالم. وإلى أن يتحول هذا الى اتفاق دولي ملزم، على الدول العربية الانتقال من ''الاقتصاد الافتراضي'' إلى ''الاقتصاد الأخضر''، الذي يستثمر في أصول حقيقية وليس في المضاربات العقارية وأسواق المال، فهو الوحيد الذي يخلق فرص عمل ويتمتع بمناعة ضد تقلبات السوق. الانتظار لم يعد خياراً.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.