Wednesday 29 Jun 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
صالح عثمان سنوات الخيبة: من ريو الى جوهانسبورغ  
تموز-آب (يوليو-اوغسطس) 2002 / عدد 52-53
 صالح محمد عثمان، المدير التنفيذي المساعد السابق لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وأحد أعضاء فريق الدكتور مصطفى كمال طلبه في المفاوضات الصعبة، كان من أبرز الذين ساهموا في صناعة الحدث البيئي الدولي، وهو رافق المفاوضات وشارك فيها منذ تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة وصولاً الى قمة الأرض، حتى تقاعده سنة 1996. هذا التحليل يكشف بعض الخفايا في ما يعتبره البعض سنوات الخيبة، ويحذر من أن تكون قمة الأرض الثانية الدعاء الذي يتسع ليشمل كل شيء ولا يحلّ شيئاً.
تحت راية الأمم المتحدة عقد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية (UNCED) في ريو دي جانيرو في البرازيل عام 1992. وفي نهاية المؤتمر اعتمد قادة دول العالم جدول أعمال القرن 21 وإعلان ريو بشأن البيئة والتنمية، والبيان الرسمي غير الملزم قانوناً بمبادئ توافق الآراء العالمي المتعلق بادارة الغابات وحفظها وتنميتها. المؤتمر الثاني يُعقد تحت اسم "مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة" (WSSD). وتتوقع الامانة العامة أن يكون أكبر مؤتمر عقدته الأمم المتحدة، اذ من المتوقع أن يشارك فيه أكثر من مائة رئيس دولة وحكومة وأكثر من ستين ألف شخص من الوفود الوطنية وقادة من المنظمات غير الحكومية والشركات التجارية والمجموعات الرئيسية الأخرى. وعلى نحو مواز للمؤتمر يعقد منتدى للمنظمات غير الحكومية في مركز غلاغر القريب من موقع المؤتمر في مجمع سانتون للمؤتمرات في جوهانسبورغ.
ماذا تحقق منذ ريو 1992
يقول الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره عن تنفيذ جدول اعمال القرن 21 للجنة التحضيرية لمؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة في دورة انعقادها الثانية في شباط (فبراير) 2002 إن ما احرز من تقدم لتحقيق الاهداف المحددة في مؤتمر ريو سار بخطوات بطيئة، أكثر مما كان متوقعاً، وباتت الاوضاع أسوأ بالفعل في بعض الحالات مما كانت عليه قبل عشر سنوات. إن حالة البيئة لا تزال هشة وما اتخذ من تدابير لحفظها لا يزال غير مرض، خاصة في معظم أرجاء العالم النامي. ويضيف الأمين العام ان هناك فجوة في التنفيذ تجلت بوضوح في أربعة مجالات:
أولاً: اعتماد نهج غير متكامل إزاء التنمية المستدامة.
ثانياً: لم تطرأ تغييرات رئيسية منذ مؤتمر قمة الأرض في ريو على الأنماط غير المستدامة للاستهلاك والانتاج التي تعرض للخطر النظام الطبيعي لدعم الحياة.
ثالثاً: إن هنالك افتقاراً الى سياسات أو برامج متوافقة في مجالات المال والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتنمية المستدامة. ففي عالم آخذ في العولمة، أصبحت ضرورة الاتساق والتماسك في هذه السياسات أكثر أهمية من ذي قبل، ومع ذلك فان السياسة المتبعة ازاء هذه القضايا لا تزال مجزأة الى أقسام وتحكمها الاعتبارات القصيرة الأجل أكثر من ان تحكمها الاعتبارات الطويلة الأجل للاستخدام المستدام للموارد الطبيعية.
رابعاً: إن هناك افتقاراً في الموارد المالية لتنفيذ جدول أعمال القرن 21، ولم تتحسن آليات نقل التكنولوجيا. ومنذ عام 1992 انخفضت المساعدات الانمائية الرسمية باضطراد، وحدت أعباء الديون من الخيارات المتاحة للدول النامية، واتسمت التدفقات الموجهة للاستثمار الخاص بالتقلب ولم يستفد منها سوى بلدان وقطاعات قليلة.
وفي تحليل الاتجاهات والتطورات الرئيسية منذ مؤتمر ريو 1992 أشار الأمين العام في تقريره الى ما يلي:
احدى التطورات الرئيسية للاقتصاد العالمي خلال التسعينات تمثلت في سرعة مسيرة العولمة ولا سيما في شكل زيادة التدفقات الدولية للسلع والخدمات والمال. ولكن عدداً كبيراً من الدول النامية لم يتمكن من الافادة من العولمة ولا من تطور التكنولوجيا في مجالات المعلومات والاتصالات.
شهد الاقتصاد العالمي خلال التسعينات تقلبات أقل مما شهده خلال الثمانينات رغم وجود استثناءات هامة. وازداد متوسط معدل النمو للناتج المحلي الاجمالي للبلدان النامية من 2.7 في المئة في الثمانينات الى 4.3 في المئة خلال التسعينات. بينما انخفض المعدل بالنسبة للبلدان المتقدمة النمو من 3 في المئة الى 2.3 في المئة خلال الفترة نفسها. ولا بد من الاشارة هنا الى ان استمرار ارتفاع معدل النمو السكاني في افريقيا الغى المكاسب واتسعت الفجوة ومستويات المعيشة بين افريقيا ومناطق أخرى.
رغم التفاوت الاقليمي في الاداء، ازدهرت التجارة الدولية خلال التسعينات. فقد ازدادت الصادرات العالمية بمعدل متوسطه 6.4 في المئة فوصل الى 6.3 تريليون دولار في عام 2000. وأصبحت البلدان النامية تلعب ادواراً أكثر أهمية في التجارة الدولية، فازدادت صادراتها بنسبة 9.6 في المئة سنوياً. بيد أن الصادرات من افريقيا ازدادت بمعدل أبطا. وانخفضت حصة المنطقة من التجارة العالمية من 2.7 في المئة عام 1990 الى 2.1 في المئة عام 2000. ونضيف هنا ما قاله رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون في خطاب أمام البرلمان الالماني مؤخراً من الحواجز على صادرات الدول النامية الى أسواق الدول الصناعية تلحق أضراراً قاسية بالدول النامية. فالدول الصناعية تنفق ما يزيد على 300 بليون سنوياً في دعم الزراعة. وهذا المبلغ يعادل تقريباً الناتج القومي الاجمالي لكل الدول الافريقية جنوب الصحراء. واليوم فان الرسوم الجمركية على اللحوم والفواكه والخضروات، وكلها صادرات أولية من الدول النامية، تزيد عن مئة في المئة. إن الحديث عن تخفيف وطأة الديون على الدول النامية بدون فتح الاسواق لمنتجاتها في الدول الصناعية بدون حواجز ضرب من العبث.
العولمة أيضاً انعكست على التدفقات المالية الدولية مع اتسامها بدرجة كبيرة من التقلب. وطوال التسعينات جذبت الولايات المتحدة تدفقات كبيرة من رأس المال الخاص الخارجي، وذلك بفعل أدائها الاقتصادي القوي وتطوير منتجات مالية مبتكرة. شارك الولايات المتحدة في هذا الجذب للتدفقات المالية الخاصة عدد من البلدان النامية المتوسطة الدخل. أما الدول المنخفضة الدخل، خاصة في أفريقيا، فقد ظلت تعتمد على مصادر رسمية للتمويل بصورة رئيسية. كما لم يتحقق طوال معظم العقد سوى تقدم قليل في حل مشاكل الدين الخارجي التي يرزح تحتها الكثير من البلدان الأكثر فقراً.
أثّر التغيّر الديموغرافي في التنمية المستدامة من عدة جوانب. فالتبدلات في الهيكل العمري والخصائص التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية أثرت كلها على استخدام الموارد الطبيعية. وقد بلغ سكان العالم عام 2000 ستة بلايين نسمة بالمقارنة مع 4.4 بليون عام 1980.
خلال التسعينات انحدر معدل الفقر في البلدان النامية من 29 في المئة في عام 1990 الى 23 في المئة في عام 1998، الا في افريقيا جنوب الصحراء حيث لم يطرأ أي تحسّن في وضع الفقراء.
أما في مجال الغذاء، فتشير تقارير الأمم المتحدة الى أن 840 مليون نسمة في العالم يعانون من نقص الغذاء يعيش منهم حوالى 780 مليوناً في الدول النامية في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وفي أفريقيا يعاني نحو ثلث السكان من نقص الغذاء وهذا العدد في ازدياد. يضاف الى هذا ما ورد في الوثائق التي أعدتها منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة لمؤتمر قمة الأرض للغذاء، الذي عقد بين 10 ـ 13 حزيران (يونيو) 2002 في روما، بأن هناك حاجة الى 24 بليون دولار اضافية من الاستثمارات الرسمية في الدول الفقيرة لتحقيق هدف "اعلان الألفية" القاضي بتخفيف نسبة السكان الذين يعانون من الجوع الى النصف بحلول عام 2015، أي من نحو 840 مليوناً الى 400 مليون. وجدير بالذكر أن هذا الهدف، الذي أقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها الخامسة والخمسين في سبتمبر (ايلول) 2000، هو توكيد للهدف ذاته الذي أقرته أكثر من 185 دولة في مؤتمر العالم للغذاء في 1996. واذا استمر الحال على ما هو عليه، فان الهدف المنشود لن يتحقق قبل عام 2030. هذا الاخفاق يتم على الرغم من ان الانتاج العالمي للمواد الغذائية استمر في الازدياد بمعدل اسرع من معدل الازدياد السكاني خلال العقد الماضي، وانخفضت اسعار المواد الغذائية. وتحقق هذا من جراء ازدياد رقعة الأراضي المزروعة وازدياد الانتاجية بفعل ازدياد الري وتحسين البذور وتحسين وتركيز المدخلات الزراعية. ولكن كما ذكرنا سابقاً فان الانتاج الزراعي في أفريقيا كان منخفضاً جداً بينما ازداد عدد السكان زيادة كبيرة مما زاد الفجوة الغذائية في المنطقة، خاصة جنوب الصحراء.
طرأ تحسن على الأوضاع الصحية بوجه عام، ولكن ما زال أكثر من 8% من الاطفال في البلدان النامية يموتون قبل سن الخامسة، كما ان تلوث المياه وعدم كفاية الصرف الصحي يتسبب بنسبة كبيرة من حالات سوء الصحة والمرض في العالم النامي تؤدي الى وفاة الملايين.
يتطرق تقرير الأمين العام بشيء من التفصيل الى زيادة الاحترار العالمي والى الأدلة الجديدة التي اكتشفتها البحوث العلمية عن أن الاحترار العالمي الملاحظ خلال الخمسين سنة الماضية يعود سببه الى أنشطة بشرية. ويحذر العلماء من احترار عالمي قد يكون مدمراً خلال العقد المقبل، بارتفاع منسوب مياه البحر وتغيير انماط الطقس. وتعزى زيادة انبعاثات غازات الدفيئة بجزء كبير منها الى زيادة استهلاك الوقود الاحفوري في النقل بشكل خاص نتيجة للنمو الاقتصادي. وخلال الفترة 1992 ـ 1999 زاد الاستهلاك العالمي من الطاقة نحو 10 في المئة. ولا تزال نسبة الاستهلاك للفرد هي الاعلى لدى البلدان المتقدمة النمو، رغم الجهود المبذولة لتعزيز فعالية الطاقة. كما تضاعفت انبعاثات غاز ثاني اوكسيد الكربون في العالم من عام 1965 الى 1998 بزيادة وسطية بلغت 2.1 في المئة سنوياً تحت تأثير الاتجاه العام في استهلاك الطاقة. واستهلكت شعوب البلدان المتقدمة النمو في عام 1999 ما متوسطه 6.4 أطنان من مكافئ النفط في السنة للفرد الواحد، أي ما يوازي عشرة أضعاف الاستهلاك في المناطق النامية الذي بلغ متوسطه 0.62 طناً من مكافئ النفط في السنة للفرد.
الوهم الكبير
في تقديرنا أن تنفيذ جدول أعمال القرن 21 خلال السنوات العشر الماضية كان مخيباً للامال التي علقتها عليه الاسرة الدولية مجتمعة، والدول النامية خاصة، عند انعقاد المؤتمر في ريو. وهذا الاخفاق لم يكن غير متوقع عند العارفين ببواطن الامور. فقد قال السيد موريس سترونغ، الأمين العام لمؤتمر التنمية والبيئة، في الجلسة الختامية للمؤتمر في ريو "ان نتيجة المؤتمر اتفاق بدون التزام كاف"، بينما قال الأمين العام للامم المتحدة آنذاك الدكتور بطرس غالي: "سيأتي يوم لا بد ان نعمل فيه أحسن". ونضيف الى هذا ان مؤتمر ريو كان كرنفالاً اتسع لكل مشارك ولك مشكلة على اعتبار ان لا شيء تحت الأرض أو على الأرض أو فوق الأرض الا وله مكان في مفهوم التنمية المستدامة. ومن ثم كان المؤتمر وما تزامن معه من منابر عبارة عن شجرة الميلاد كل يلصق بها ما يريد. واجتمع الرؤساء ورؤساء الدول والحكومات، واعتمدوا بيان ريو وأجندة القرن 21 وأخذت لهم صورة جماعية كانوا فيها أقرب الى بعضهم البعض مما كانوا عليه في داخل قاعة المؤتمر. وما أن انقضى المؤتمر، بعد أن اعطى الرؤساء حكمتهم الجماعية، حتى واجه رئيس البرازيل ورئيس المؤتمر محاسبة من شعبه أطاحت به، وأنكر الشعب الاميركي على جورج بوش الاب التجديد بعد خمسة أشهر من مؤتمر ريو، وكان مصير رؤساء آخرين الزوال. وأذكر أنه عندما اجتمعت الجمعية العامة للنظر في نتائج مؤتمر ريو في أيلول (سبتمبر)1992، كان من المتوقع أن يقدم رئيس المؤتمر ورئيس الدولة المضيفة نتائج المؤتمر للجمعية العامة. ولكنه كان قد أبعد من السلطة.
أما من الناحية الموضوعية فان مؤتمر ريو وما تمخض عنه أدخل الناس في كل مكان في وهم كبير، يقوم على أن العالم اتفق على جدول أعمال سيكون المنارة التي ترشد جهوده لتحقيق التنمية المستدامة. لا شك أن التحضير للمؤتمر ساعد على بلورة القضايا وأظهر علاقتها ببعضها البعض. ولكن أنبثقت عن المؤتمر ادارة في الامانة العامة في نيويورك اعتبرت نفسها الوصي على تنفيذ جدول اعمال القرن 21، وطالبت ونالت لنفسها حق القيادة والريادة في وضع السياسات والتنسيق لكل ما يتصل بجدول أعمال القرن 21. وفي تقديرنا ان برنامج الأمم المتحدة الانمائي، مجلساً حاكماً وأمانة، وبرنامج الامم المتحدة للبيئة، مجلسا حاكماً وأمانة، كانا قادرين على متابعة تطوير اجندة القرن 21 وتطويرها الى برامج مع مشاركة المؤسسات والوكالات التابعة لمنظومة الأمم المتحدة. ومرفق البيئة العالمي، الذي تم انشاؤه بمشاركة البنك الدولي وبرنامج الامم المتحدة الانمائي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، مثل حي على مثل هذه الآلية الفاعلة. وجدير بالذكر ان المرفق المذكور أنشئ في عام 1991، قبل انعقاد مؤتمر ريو عام 1992، واعتمده المؤتمر كآلية لتمويل القضايا البيئية العالمية الرئيسية. لكن الواقع أن البنك الدولي هو الشريك الأكبر الذي يمسك بقرار مرفق البيئة العالمي كقوة تمويلية. ومن المؤسف ان التحضير لمؤتمر قمة الأرض في جوهانسبورغ يعاني المشكلة نفسها من اتساع الوعاء ليشمل كل شيء ولا يعالج أي شيء.
حصاد العالم من جوهانسبورغ
يقول مرتادو المؤتمرات الدولية انك ان شئت يمكن أن تكتب التقرير النهائي عن مؤتمرات الأمم المتحدة المتصلة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية أو البيئية أو الشرائح المجتمعية كالمرأة والطفل والشباب والسكان قبل انعقاد المؤتمر. وعندما يكون المؤتمر مكرراً، أي انه ينعقد في الذكرى الخامسة أو العاشرة أو العشرين لمؤتمر سابق، فان تجهيز البيان الختامي يصبح أكثر يسراً. اننا لا نشارك أصحاب هذا الرأي، ولكن نعتقد ان هنالك قدراً عالياً من الرتابة والتكرار. ومرد هذا الى أن قرار عقد مؤتمر في ذكرى مؤتمر سابق لا يخضع للتمحيص الكافي والتأكد من أن المناسبة تستحق ما سيصرف فيها من جهد ومال. ومن هنا كان لا بد أن نطرح السؤال: لماذا مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة؟
تقول وثائق الأمين العام للمؤتمر: "ليس الغرض من مؤتمر القمة في جوهاسنبورغ اعادة التفاوض على المسار نحو الاستدامة الذي ورد في جدول أعمال القرن 21، بل تعزيز التنفيذ وأخذ الاتجاهات الجديدة بعين الاعتبار. وكي يؤدي المؤتمر هذا الغرض ينبغي أن يعالج: ظاهرة العولمة وتهميش كثير من البلدان النامية، والسبب في عدم احراز تقدم كبير نحو القضاء على الفقر، واستمرار انماط الاستهلاك والانتاج غير المستدامة في كثير من اجزاء العالم، وعدم قدرة الآليات البرمجية والمؤسسية على تحقيق تكامل فعلي بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للتنمية، ونقص الموارد المالية والآليات الفعالة لنقل التكنولوجيا، اضافة الى التحدي الأكبر المتمثل في ترجمة جدول أعمال القرن 21 الى خطوات عملية تركز على مجالات رئيسية تدعو الحاجة فيها الى تنفيذ أسرع ويكون للجدول فيها أكبر اثر على التنمية المستدامة.
ويمكن للخطوات العملية الهادفة الى تعزيز التنفيذ أن تتخذ عدة أشكال:
أولاً: يمكنها أن تربط عمليات تنفيذ جدول اعمال القرن 21 بالعمليات التي وضعت لتنفيذ التزامات والتعهد بها في مؤتمرات اخرى تابعة للامم المتحدة، وينطوي ذلك على أهمية خاصة بالنسبة للبرامج الرامية الى القضاء على الفقر واستئصال الجوع.
ثانياً: يمكن ان يوضع جدول زمني للالتزام بتنفيذ جدول أعمال القرن 21 يحدد الاجراءات المطلوبة لتحقيق أهداف معينة.
ثالثاً: يمكن أن يتجسد الالتزام بتعزيز التنفيذ في مبادرات محددة تشتمل على أهداف وجداول زمنية واضحة، وآليات للتنسيق والتنفيذ، واجراءات ابتكارية لاشراك الشركاء، وترتيبات لتمويل منتظم يمكن التنبؤ به، وتدابير لنقل التكنولوجيا.
ويقترح الأمين العام للجنة التحضيرية عشرة عناوين رئيسية يمكن ان تتمحور حولها مناقشة الخطوات العملية في قمة جوهانسبورغ هي:
تسخير العولمة لخدمة التنمية المستدامة.
القضاء على الفقر وتوفير سبل المعيشة المستدامة.
تعزيز الصحة عن طريق التنمية المستدامة.
تغيير انماط الاستهلاك والانتاج غير المستدامة.
المساعدات المالية ونقل التكنولوجيا.
مبادرات التنمية المستدامة من أجل أفريقيا.
الوصول الى الطاقة وفعالية استخدامها.
الادارة المستدامة للانظمة الايكولوجية والتنوع الاحيائي.
ادارة موارد المياه العذبة في العالم.
تعزيز نظام التدبير الدولي للتنمية المستدامة.
منبر للوفاق لا للتفاوض
نؤكد ان الذين يأملون ان تسفر قمة الأرض في جوهانسبورغ عن الالتزام بخطوات عملية، وتجسيد هذا بتعزيز التنفيذ في مبادرات محددة تشتمل على أهداف وجداول زمنية واضحة وترتيبات للرصد وآليات للتنسيق والتنفيذ، واجراءات ابتكارية لاشراك الشركاء وترتيبات لتمويل منتظم يمكن التنبؤ به ولنقل التكنولوجيا، سيصابون بخيبة أمل كبيرة. فهم لا يعرفون أو لا يعترفون بان قمة الأرض الثانية، شأنها شأن الاولى في ريو، ليست منبراً تفاوضياً، وانما هي على أحسن الظنون منبر لبناء وفاق دولي يمهد لمنابر تفاوضية تتميز بوحدة الموضوع وتوازن التمثيل وغيرها من الضوابط. إن تجربة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، الذي كانت تعلق عليه الدول النامية آمالاً كثيرة، خير دليل على ما نقول. لقد انتهى "الانكتاد" الى هيئة محدودة الأثر والفعالية. وفي مؤتمرها العاشر، بعد قرابة الثلاثين سنة على انعقاد المؤتمر الأول في 1974 في بانكوك، اشترك ستة عشر رئيس دولة وحكومة فقط، منهم اثنان من الدول المتقدمة. لقد قصدت الدول الصناعية أن يصبح الانكتاد منبراً لا أثر له، بعدما كان هو المنبر الأهم لمجموعة الـ77، التي انشئت في اطاره لتوحيد موقف الدول النامية في قضايا التجارة والتمويل ونقل التكنولوجيا. في دورته العاشرة التي كان يفترض أن تكون "قمة" لرؤساء الدول، أعاد مؤتمر التجارة والتنمية (انكتاد) تكرار ما صدر عن اجتماعاته منذ عشرات السنين، حول "ضرورة ايجاد إطار دولي للتفاوض والاتفاق".
هذا ما آلت اليه الامور في انكتاد. فهل ننتظر من قمة جوهانسبورغ أن تحقق الالتزام بجدول زمني لتنفيذ أجندة القرن 21؟ في الدورة الرابعة للجنة التنمية المستدامة بوصفها اللجنة التحضيرية لمؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، التي عقدت في بالي باندونيسيا بين 27 أيار (مايو) و7 حزيران (يونيو) 2002، كانت هناك، بالاضافة الى الوثيقتين الرئيستين للمؤتمر، عشر أوراق مقدمة من أصحاب المصالح المتعددين. وعلى سبيل المثال نذكر ورقة للحوار مقدمة من النقابات العمالية، وأخرى من منظمات المزارعين واخرى من الاوساط العلمية والتكنولوجية وأخرى من السلطات المحلية واخرى من السكان الاصليين وأخرى من الشباب وأخرى من المنظمات النسائية. كل هذه المجموعات الرئيسية هي صاحبة مصلحة في التنمية المستدامة. لكن من هم أصحاب المؤتمر ومن يفاوض من وحول ماذا؟ ان الدول المتقدمة لا تعتبر هذا المؤتمر منبراً للتفاوض وانما لتبادل الرأي والوصول الى بلورة القضايا واعدادها لمرحلة التفاوض في المنابر المناسبة. وهي لا تقبل ان يكون هناك تفاوض حول العولمة والتجارة الدولية الا في اطار المنظمة الدولية للتجارة.
ومن المناسب هنا أن تشير إلى ما ما قالته مفوضة البيئة في الاتحاد الاوروبي مارغريت ولستورم أثناء انعقاد اللجنة التحضيرية في بالي من أن المؤتمر يضع اهدافاً غير واقعية، وفشله ليس أمراً مستبعداً. وقد نقلت وكالة رويترز في الرابع من حزيران (يونيو) 2002 عن ولستورم "إن هذا المؤتمر في انطباعي هش وأمر صعب جداً قد دخلنا فيه... ان النجاح غير مأمون... ولن يكون لدينا الوقت لاستعراض وحل كل المشاكل... ان مشروع خطة العمل للمؤتمر ينبغي ان تكون قصيرة وأكثر تركيزاً.
ولعل الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان استشعر هذا الموقف لدى الدول المتقدمة، فأكد في مقال نشرته صحيفة "ايست افريكا ستاندرد" في اليوم نفسه الذي نقلت فيه رويترز حديث مفوضة البيئة في الاتحاد الاوروبي، أن "قمة واحدة لا يمكن أن تغير التاريخ. ولكي اعتقد ان هذه القمة سينظر اليها كنقطة تحول هامة، اذا كسبنا التزاماً واضحاً للتغيير، ومبادرات جديدة لتحقيق هذا التغيير في خمسة مجالات محددة هي: المياه، لانقاذ حياة أكثر من ثلاثة ملايين نسمة يموتون من أمراض متصلة بالمياه في العقود القادمة. والطاقة بتوفيرها لبليونين من البشر لا يحصلون عليها وفي هذا تمكين لمكافحة الفقر. والصحة، لانقاذ حياة الملايين من البشر الذين يموتون نتيجة تلوث المياه والهواء والنفايات السامة والحشرات الناقلة للامراض القاتلة. والزراعة، بزيادة انتاج الغذاء ومكافحة تدهور التربة. والتنوع الاحيائي، بترشيد استهلاك الاسماك والغابات وتمويل البحوث في دراسة الانظمة الايكولوجية والتنوع الاحيائي".
ويتابع أنان: "ان الاجندة تبدو للبعض طموحه لدرجة لا يمكن تحقيقها. وتبدو لآخرين بانها محدودة لدرجة مخيبة للآمال. ولكنني اعتقد أنها تمثل بداية يمكن تحقيقها".
من الاسباب التي تحدّ من قدرة مؤتمر قمة الارض في جوهانسبورغ على تقديم اضافة جديدة في مجال التعاون الدولي في مجال التنمية المستدامة انه قد انقعدت قبله عدة مؤتمرات هامة ومناسبات أخرى، منها:
الدورة الخامسة والخمسون للجمعية العامة للامم المتحدة، التي اجازت "اعلان الامم المتحدة للألفية"، وذلك في ايلول (سبتمبر) 2000. وأهمية هذا الاعلان أن شمل الاهداف المتصلة بالحد من الفقر التي اعتمدتها كل منظمات الأمم المتحدة، إضافة الى أن البنك الدولي اعتمد أيضاً اهداف التنمية الدولية كما جاءت في اعلان الالفية اطاراً لاعمال البنك وللمشاركة مع المجتمع التنموي لتحقيق هذه الاهداف.
مؤتمر الامم المتحدة لتمويل التنمية، الذي عقد في مونتري بالمكسيك في آذار (مارس) 2002. تميز هذا المؤتمر بالمشاركة الفاعلة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية مع الأمم المتحدة. وحضره عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات، خاصة من الدول المتقدمة. وليس من المتوقع أن يضيف مؤتمر قمة الارض في جوهانسبورغ الى ما تم في مونتيري. وكما اسلفنا فان المؤتمرات التي تنظمها الامم المتحدة هي منابر للوفاق وليس للاتفاقات التفصيلية.
مؤتمر القمة العالمي للغذاء الذي عقد في حزيران (يونيو) 2002 في روما. وقد احجمت الدول المتقدمة عن المشاركة على مستوى رفيع في هذا المؤتمر، لأنه يدور حول الموضوع نفسه لمؤتمر عقد في 1996. كما ان موضوع الغذاء يعالج في كل منبر يعنى بالتنمية المستدامة أو مكافحة الفقر. وقد شمل اعلان الالفية في اهدافه تحقيق تخفيض نسبة السكان الذين يعانون من الجوع الى النصف، فماذا الذي يمكن ان يضيفه مؤتمر قمة الارض في جوهانسبورغ الى مؤتمر روما؟
ورغم كل هذا، فان الحضور كما تتوقع الامانة العامة للامم المتحدة سيكون كبيراً. وهذا في تقديرنا لا يعني نجاح المؤتمر او فشله. لقد أصبحت مسألة المؤتمرات صناعة رائجة. وهناك أناس لا عمل لهم غير حضور هذه المؤتمرات على مدار السنة. وعقد المؤتمر في جنوب افريقيا يعطيه جاذبية اضافية. فجنوب افريقيا، بلد الزعيم مانديلا، سيستقطب زعماء من العالم يجدون في المؤتمر فرصة لاخذ صور تذكارية مع الزعيم الافريقي. فهؤلاء الزعماء ينتمون الى دول ساندت الكفاح في جنوب افريقيا ضد النظام العنصري أو اعتبرت ذلك الكفاح ضرباً من الارهاب. لكن المناسبة تبقى في جميع الحالات فرصة ذهبية لصورة تذكارية مع مانديلا، أحد آخر من بقي من رموز الكفاح التحرري.
أما عن الترتيبات المؤسسية فان الدلائل تشير الى أن كل شيء سيظل على ما هو عليه. ستحمي الدائرة المكلفة بالتنمية المستدامة في استمرار دورها المركزي من خلال التأكيد على دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي في التنسيق بين جميع المنظمات التابعة لمنظومة الامم المتحدة. أما برنامج الأمم المتحدة للبيئة فسيتم التأكيد على دوره الهام، خاصة في تنسيق القضايا البيئية على مستوى منظومة الامم المتحدة والامانات المتعددة للاتفاقات والبروتوكولات المتصلة بالبيئة، ولكن بلا تمويل ولا صلاحيات. فكرة تحويل مجلس الوصاية التابع للامم المتحدة الى مجلس وصاية للبيئة العالمية فامر لن يجد القبول لدى أطراف عديدة ولاسباب مختلفة. ففضلاً عن التقارب الذي يمكن ان يشير اليه اصحاب المصلحة في الامانة العامة في نيويورك بين الدور الجديد لمجلس الوصاية ودور المجلس الاقتصادي والاجتماعي، هناك من يخشى ان الامر سيقتضي تعديل الميثاق، وهذا مجال لا يريد ولوجه الذين يخشون ان يطال التعديل مجالس أخرى، خاصة مجلس الأمن.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.