Monday 08 Aug 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
نضال البج تاريخ كراكوف يأكله دخان السيارات  
أيار (مايو) 2003 / عدد 62
 كان لمدينة كراكوف دور رئيسي في تاريخ بولندا وتطور حضارتها. ما ان أصبحت جزءاً من الدولة حتى باتت إحدى مدنها الكبرى، وما لبثت أن أصبحت عاصمتها. في الماضي، عندما كانت بولندا مقسمة إلى أجزاء، كانت السيطرة على كراكوف مدخلاً لإخضاع معظم أراضي البلاد.
كعاصمة للمملكة، ولاحقاً عاصمة للدولة البولندية الليتوانية الواسعة الأرجاء، عرفت كراكوف كإحدى العواصم الأوروبية الكبرى. وخلال عصر الانحطاط، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت أيضاً مركزاً لتتويج الملوك ودفنهم. وأثناء الاحتلال وما رافقه من ازدياد المشاعر الوطنية، كان لهذه المدينة دور خاص: المدينة الرمز، مدينة الآثار والخزينة، صلة الوصل بين مشاعر الناس المتآزرين وأملهم بمستقبل أفضل. وبفضل ظروف مؤاتية، تطورت الثقافة البولندية بوتيرة لم يسبق لها مثيل، وكانت فكرة الدولة المستقلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. واليوم، أصبحت كراكوف احدى المراكز الصناعية الرئيسية وعاصمة الثقافة الوطنية في بولندا.
ترتفع كراكوف 28 متراً عن سطح البحر، وأعلى نقطة فيها هضبة فاول. كان سكانها في البداية يتخلون على الأراضي الشديدة الجفاف، وارتبطت التنمية المدينية بتنظيم جزئي للمياه واستيطان الأماكن الجديدة.
أثبتت الحفريات الأثرية وجود مستوطنات في أراضي كراكوف تعود إلى العصر الحجري القديم. وثمة آثار من العصرين البرونزي والحديدي. وكانت التغيرات الحضارية الجوهرية مرتبطة بغزوات قامت بها شعوب السلت والهون والأفار. والسجلات الأولى عن وجود المدينة في هذه الأراضي وردت في رسائل ابراهيم يعقوب عام 965م.
تراث في خطر
يشمل التراث المعماري لمدينة كراكوف حوالى 3500 بناء قديم، بينها أكثر من 1000 معلم تاريخي. وفي العام 1978، أدرج التراث المعماري التاريخي في كراكوف (ومنجم الملح في مدينة فليشكي) على لائحة التراث الثقافي العالمي لمنظمة الاونيسكو بين المواقع الاثني عشر الأولى.
نجت كراكوف من الدمار خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. لذلك يمكن مشاهدة المنشآت الحضارية الهامة التي يعود تاريخها إلى العصور الوسطى وما قبلها وقد بقيت في حالة ممتازة.
لكن تنمية الاقتصاد الوطني، وسوء الإدارة الايكولوجية للمدينة الواقعة على دلتا نهر فيسلا، والفوارق الكبيرة في درجات الحرارة، وارتفاع معدلات الرطوبة، كانت أسباباً لانتشار التلوث الناتج من مصادر منخفضة، خصوصاً في وسط المدينة. وينتقل التلوث الأطراف بفعل اتجاه الرياح السائدة، فيشمل جميع أراضي المدينة. وبسبب وجود محطات نقل بالقرب من المعالم المعمارية الهامة، تفاقمت حالات تأكل السطوح والآثار، خصوصاً المحتوية على حجر كلسي.
في أوائل سبعينات القرن العشرين، أقيم في الضاحية الشمالية الشرقية للمدينة مصنع سندزيمير للتعدين. وهو يلوث البيئة ويؤثر سلباً على المنشآت القديمة. ويمكن تحديد مصادر تلوث أخرى، مثل محطة الطاقة الحرارية ومصنع الألعاب النارية ومحطة مراجل تسخين الماء.
قِدَم المدينة لم يكن مصدر غناها فحسب، وإنما سبب مشكلتها أيضاً. فالتدفئة في أبنيتها تتم بواسطة المواقد والأفران، ما يشكل حالة ايكولوجية سلبية إضافية. وثمة مشكلة أخرى هي دورة السير الخاطئة. فعدم وجود طريق التفافية (شارف إنشاؤها على الانتهاء) يجعل جميع السيارات تعبر وسط المدينة. كما ان الانتشار القديم للشوارع لا يسمح بحدوث تهوئة ويحصر التلوث.
الخدمات البلدية هي مصادر أساسية لأوكسيدات النيتروجين، ومصانع التعدين ومحطات توليد الكهرباء هي مصادر لأوكسيدات الكبريت. وثمة حاجة ماسة إلى بذل عناية خاصة لمكافحة هذه الملوثات. فأوكسيدات النيتروجين تحفز تأكسد ثاني أوكسيد الكبريت إلى ثالث أوكسيد الكبريت، الذي هو أنيون خال من الماء لحمض الكبريتيد (الانيون anion هو أيون سلبي الشحنة). ويسبب حمض الكبريتيد تأكلاً قوياً لمواد البناء المختلفة. ويولد تفاعله الكيميائي أملاحاً حمضية تضر بالجصّ (الجفصين) بشكل خاص. وتتأثر سطوح المنشآت الجصّية إلى حد كبير بالعوامل المناخية التي تؤدي إلى تدميرها.
تبلغ حصة التلوث الناتج عن وسائل النقل في عملية تدمير مواد البناء حوالى 95 في المئة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن السيارات هي المصدر الأساسي لانبعاثات أوكسيدات النيتروجين، يصبح من الواضح أنها من الأسباب الرئيسية للأضرار التي تصيب المنشآت القديمة في أنحاء أوروبا.
تدابير إنقاذية
تم قياس انبعاثات ثاني اوكسيد النيتروجين في منطقة كراكوف باستخدام أجهزة "هامدة" لأخذ العينات لا تتفاعل كيميائياً. واختير معلمان أثريان يعود تاريخهما إلى القرن الثالث عشر لإجراء أبحاث عليهما، هما حصن البربكان وقصر فافل.
البربكان حصن فريد في تصميمه. أنشئ في شكل دائرة قطرها 24 متراً. وتبلغ سماكة جدرانه ثلاثة أمتار، تتخللها 130 نافذة متناسقة ومحمية جيداً، ويعلوها متراس فيه منتجات دفاعية لمقاومة المهاجمين. وترتفع فوق المتراس سبعة أبراج مراقبة دائرية. ويحيط بالحصن خندق عرضه 20 متراً. وبسبب تصميمه الفريد، بقي الحصن منيعاً حتى منتصف القرن التاسع عشر حين ظهرت تقنيات جديدة.
أما هضبة فافل فكانت في الأزمنة القديمة قلب أول دولة بولندية. واختيرت موقعاً للقصر الملكي الذي أقام فيه أول ملكين بولنديين، بولسلاف براف وميشيك الثاني. وتفيد الأبحاث أن أعمال الإنشاء بدأت على هذه الهضبة في القرنين التاسع والعاشر، وحتى في وقت أبكر، حيث برزت مدينة قوية.
بعد القيام بأبحاث حول مستويات ثاني أوكسيد النيتروجين، باستخدام التقنية الفوتومترية الطيفية وأجهزة Amaja-Krohmala لأخذ العينات، تم التوصل إلى النتائج التالية: أولاً، هناك فرق جوهري في مؤشرات ثاني اوكسيد النيتروجين بحسب فصول السنة. ثانياً، معدلات انبعاثات ثاني اوكسيد النيتروجين تختلف كثيراً بين أيام العمل وأيام العطل. ثالثاً، الغطاء النباتي يمتص التلوث إلى حد كبير.
أظهرت نتائج الأبحاث ضرورة الحد من حركة السيارات في وسط المدينة. ونظراً لفرادة المعالم الأثرية، توجب التركيز على فكرة إقامة مناطق محمية في كراكوف، ودعم الأبحاث العلمية الهادفة إلى المحافظة على المنشآت القديمة وتحسين الخصائص الوقائية لمواد البناء.
للنباتات تأثير كبير على تحسين الأوضاع الايكولوجية في المدن، خصوصاً في المناطق التي تضم مباني قديمة. والاختيار المناسب للنباتات، والتصميم الملائم لتجمعاتها، يخفضان إلى حد كبير التلوث في المدن. فهي تشكل مصافي بيولوجية وتمتص الملوثات الضارة. ولتحسين كفاءة هذه التصفية، يُدرس اعتماد البيوتكنولوجيا الحديثة التي تستخدم الحفز البيولوجي بواسطة أشعة ليزر، مما يمنح النباتات نشاطاً اضافياً ويزيد من قوتها.
وبهدف تخفيض الأثر السلبي لانبعاثات السيارات في المدينة، يقترح استعمال أنواع بديلة من الوقود، مثل الزيوت النباتية والخلائط الهيدروجينية وسواها، وتشجيع استخدام الدراجات الهوائية ووسائل النقل الكهربائية كعربات الترام وحافلات الترولي.
ان الجيل الحالي من الشباب يدرك أهمية حماية التراث الثقافي والبيئي الفريد. وتدعم المنظمات الدولية اليوم النشاط البحثي الموجه إلى حماية البيئة الطبيعية والصروح المعمارية. وقد نفذت 136 دولة مشاريع لحماية مواقع حضارية ذات أهمية عالمية على أراضيها. كراكوف أحد هذه المواقع. وكم من موقع في كل بلد من العالم يستحق هذه الحماية؟ أن التراث الثقافي قد يتعرض للتدمير نتيجة التنمية السريعة للاقتصادات الوطنية وغياب المسؤولية.
كتب هذا المقال لـ "البيئة والتنمية" فريق من الباحثين في جامعة كراكوف في بولندا. يان دوبروفولسكي وكترزينا بوركوفسكا ومالغورزاتا أوليك ومالغورزاتا سليفكا.
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
رائد الرافعي ووسيم حسن مؤتمر ومعرض البيئة 2005 في أبوظبي
خالد الهاجري هل السيارة عدو للبيئة؟
''البيئة والتنمية'' (دبي) مترو دبـي
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.