Thursday 11 Aug 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
كتاب الطبيعة
 
هل تُستعاد غابات ظفار؟  
اذار/ مارس 2012 / عدد 168

تتميز محافظة ظفار في سلطنة عُمان بغطاء غابي كثيف يضم أكثر من 750 نوعاً نباتياً محلياً، 50 منها مستوطن لا يعيش في أي مكان آخر من العالم. وتحوي الغابات الطبيعية في ريف ظفار أكثر من 75 في المئة من التنوع البيولوجي في عُمان، وتعتبر مورداً طبيعياً مهماً، إذ وفرت للسكان معظم احتياجاتهم. وأدت التنمية الشاملة التي شهدتها البلاد منذ العام 1970 إلى تحسن ملحوظ في الوضع المعيشي والصحي للعُمانيين، مع استمرار تزايد الضغط السكاني على الموارد الطبيعية المتجددة كالمياه والغابات والثروة السمكية.

تغطي هذه الغابات مساحة 53 ألف هكتار، وتضم ما يقدر بنحو 200 مليون شجرة، استناداً الى الكثيري عام 1996، الذي ذكر أن كثافة الغطاء النباتي في جبل القرا بلغ 3983 نبتة في الهكتار. وأشارت الاستراتيجية الوطنية لحماية البيئة العُمانية عام 1995 الى تناقص مساحة الغابات الطبيعية في ريف ظفار الى 35 ألف هكتار، ما يقدر بنحو 140 مليون شجرة. ونظراً الى تدهور هذه الغابات بنسبة 7 في المئة سنوياً خلال الفترة من 1996 الى 2011، فان ذلك يعني خسارة نحو 80 في المئة من مساحة الغابات التي كانت موجودة في جبال ظفار عام 1989، أي أن مساحتها حالياً تقلصت الى نحو عشرة آلاف هكتار، ما يقدر بنحو 40 مليون شجرة من الأنواع الغابية المحلية.

تقلصت مساحات الغابات بشكل متسارع في جبال ظفار، وتعرض العديد من الأصناف النادرة للانقراض، وتدنت قدرة الأشجار على التكاثر الطبيعي وتكوين البذور. ويعود ذلك بشكل رئيسي الى الرعي المبكر والرعي الجائر، والى اقتلاع الأشجار لاستعمالها في مهنة التحطيب وبناء البيوت قديماً من فروع الأشجار، وكذلك بسبب توسع النشاط العمراني في جبال ظفار. فمنذ منتصف السبعينات بدأ المواطنون في الريف الاستحواذ على مساحات المراعي والغابات للاستخدام السكني، بينما أخذ مكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار على عاتقه مسؤولية توزيع الأراضي في الريف على المستحقين. وأشارت دراسة نفذتها وزارة الزراعة والثروة الحيوانية سابقاً عام 1995 الى وجود 5289 تجمعاً سكانياً في المناطق الرعوية، ما أدى الى تحويل الغابات مناطق جرداء، فازدادت معدلات التبخر وانخفاض مستوى المياه الجوفية.

 

 

استطلاع ميداني

قمتُ بجولات ميدانية الى مواقع مختلفة، برفقة مواطنين تتراوح أعمارهم بين 18 وأكثر من 80 سنة. ويلاحظ افتقار تلك المناطق الى الأشجار، وتصحر معظمها، وانتشار الآفات الحشرية بكثرة. ويرى المرء حشرة حفار الخشب والنمل الأبيض تقتات على الأشجار الخضراء واليابسة الى درجة إزالتها من الوجود.

أخبرني المواطنون في نيابات طيطام وقيرون حيرتي وزيك وجحنين أن الأشجار كانت كثيفة جداً قبل أربعين عاماً، بل كانت متراصة بحيث يصعب عبور أي شخص بينها، إذ كانت المسافة بين شجرة وأخرى أقل من نصف متر في الكثير من الأماكن. وأشاروا الى أنهم كانوا يستخدمون أشجاراً مثل التين البري والميطان والمشط في تجميع مياه الضباب خلال فصل الخريف في أحواض توضع تحت تلك الأشجار. وبسبب انحسار الغابات اضطرت الحكومة إلى الاعتماد على تحلية مياه البحر لتغطية العجز في إمدادات المياه لمعظم سكان الولايات المذكورة.

واعتبر المواطنون أن من ضمن أسباب التصحر الرعي الجائر بسبب زيادة أعداد الماشية، مشيرين الى أن أعداد الأبل تزداد بأكثر من 20 في المئة سنوياً بينما تزداد أعداد الأبقار بأكثر من 30 في المئة، فضلاً عن انتشار الآفات الحشرية وقلة الأمطار مما يؤدي الى يباس الأشجار.

بينت نتائج الاستبيان أن أهم الأشجار استخداماً لدى المواطنين في جبال ظفار هي نحو 20 نوعاً نباتياً غابياً هي (باللغة العربية واللهجة الجبلية): المشط (سغوت)، السدر (ضاد)، الخيمر (خيير)، العيلوب (عيجوب)، الخفوت، الثيمر أو الصمغ العربي (ثوور)، الميطان (موطين)، التين البري (طيق وغيضيت)، الشوقوف (شيقوف)، المديجة (عقر)، الزركيم (زركين)، الأتف (أوث)، الهيباك (هيوك)، الصبار (صوور)، الكيليت، الديرفيت (زيرفيت)، الايرير (أرير)، الشربيث.

وتعتبر شجرة المشط الشجرة السائدة في جبال ظفار، حيث أحرزت في الاستبيان المرتبة الأولى في رأي المواطنين في جميع ولايات سلسلة جبال ظفار الست (ولايات ضلكوت ورخيوت وصلالة وطاقة ومرباط وسدح) كأهم نوع نباتي غابي محلي ذي استخدام واسع. وتغطي هذه الأشجار أكثر من 70 في المئة من مجمل مساحات الغطاء النباتي في ريف ظفار.

 

حلول للاستدامة

 

 

نتيجة لاستمرار منهجية مبدأ «السوق أولاً»، مع اعتبار الغطاء الغابي يتناقص بشكل ثابت بواقع 7 في المئة سنوياً اعتباراً من 1989 وحتى 2020، وعلى افتراض أن السيناريو هو عدم اتخاذ الحكومة أي اجراءات إدارية للمحافظة على النباتات والأشجار القائمة حالياً، وعدم قيامها بعمليات استزراع الأشجار المحلية الطبيعية في جبال ظفار بشكل موسع، وعدم اتخاذها إجراءات تخفيفية حقيقية لحماية الغابات من الرعي الجائر، عدا بعض الحلول الموقتة كمشروع تقليل أعداد الإبل في ريف ظفار الذي نفذ عامي 2004 و2005 وفشل في تحقيق أهدافه، فإن أعداد الأشجار سوف تتناقص بشكل متسارع خلال السنوات المقبلة.

لقد تقلصت مساحة الغابات في الجبل بنحو 80 في المئة، مما أدى الى انحسار مساحة الأشجار في سفوح الجبال، وبالتالي إلى تدهور كبير لكمية المياه وجودتها في الأحواض الجوفية في الجبال والسهول الساحلية.

وأسباب تآكل المراعي والغابات في ريف ظفار معروفة للجميع، ويعزى معظمها الى النشاط البشري، وأهمها الرعي الجائر. ومنذ عشرين سنة بدأت حشرة حفار الخشب تهاجم جميع أنواع أشجار التوتيات، وخاصة التين البري، وأدى نشاطها التخريبي الى يباس الكثير من الأشجار المحلية. وتعتبر هذه الحشرة أحد أبرز المخاطر الطبيعية التي تهدد ما تبقى من غابات جبال ظفار. وخلال العام 2011 امتد نشاطها إلى شجرة المشط المفيدة والواسعة الإنتشار في الريف.

لا شك في أن جهود الحكومة كبيرة في مجال الحفاظ على الموارد الطبيعية. ومنذ العام 1991 تمنح جائزة السلطان قابوس لحماية البيئة كل عامين لأفضل مؤسسة أو فرد يهتم بحماية البيئة، ونالها عام 2011 المعهد النيجيري لبحوث الغابات. لكن مسؤوليات حماية الغابات الطبيعية واستخدامها موزعة بين عدة جهات حكومية، كوزارة الزراعة والثروة السمكية ووزارة البيئة والشؤون المناخية ومكتب وزير الدولة ومحافظ ظفار ووزارة السياحة ووزارة المالية، ولم يتم إجراء أي تنسيق فعال بين الجهات المعنية خلال السنوات الماضية للحد من هذا التدهور. وبما أن من الضروري أن تتكاتف الأيدي وتتضافر الجهود للوقوف أمام الخطر المحدق بغابات جبال ظفار، فلا بد من تصويب الوضع وتنفيذ حلول عاجلة وحلول مستدامة لضمان بقاء الغابات الوطنية.

ولعل أهم الحلول العاجلة هي الآتية:

ـ إنشاء لجنة عليا من الوزارات المذكورة وأعضاء مجلس الشورى للولايات المتضررة وبعض الباحثين في هذا الميدان، لوضع استراتيجية وطنية للغابات الطبيعية.

ـ التنفيذ الفوري لمشروع تخفيض أعداد الماشبة في الولايات المذكورة بنسبة لا تقل عن 80 في المئة لكل من الإبل والأبقار والماعز.

ـ إراحة المراعي خلال فترة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات في جميع ولايات سلسلة جبال محافظة ظفار الست، بحيث تربى الماشية في حظائر خلال تلك الفترة، بشرط دعم الحكومة للمشروع سنوياً بنسبة لا تقل عن 75 في المئة.

ـ وضع خطة عمل لمكافحة حشرة حفار الخشب، أسوة ببرنامج مكافحة دوباس النخيل.

أما الحلول المستدامة فأهمها:

ـ إنشاء هيئة الغابات الوطنية لسن التشريعات اللازمة لحمايتها وإدارتها واستخدامها، والعمل على إعادة الغابات الطبيعية وتنميتها وصولاً الى استدامة المناطق الغابية.

ـ إنشاء هيئة تسويق الماشية للتقليل من عمليات الرعي الجائر والعودة الى أعداد العام 1989، حين كانت أعداد الماشية لا تتجاوز 20 في المئة من الأعداد الحالية.

ـ أسوة بالتشجيع الرسمي للعمل التطوعي، يجب تحفيز المجتمع وتوجيهه لإنشاء جمعيات أهلية تهتم بالغابات الطبيعية.

ـ العودة الى الكثافة الغابية للعام 1989 تتطلب زراعة 43 ألف هكتار من الأشجار المحلية كمرحلة أولى.

بعد الوصول إلى الهدف المنشود، من المتوقع كسب أكثر من 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً تأتي من تجميع الأشجار المزروعة لمياه الضباب. وإذا تم حساب ذلك بشكل مالي على أساس أن سعر المتر المكعب يورو واحد وفق السعر العُماني لمياه الشرب، فالنتيجة هي نحو 50 مليون يورو تضاف الى خزينة الدولة كل عام (اليورو حالياً يعادل 1,32 دولار).

وبعد استكمال المساحة الكلية المستهدفة للتشجير، من المتوقع تخفيف انبعاث 20 مليون طن من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون سنوياً. وإذا حسب ذلك بشكل مالي على أساس أن سعر طن ثاني أوكسيد الكربون 20 يورو وفق السعر العالمي، فتكون الحصيلة نحو 400 مليون يورو.

وخلال فترة تنفيذ المشروع سوف يستفيد منه 43 ألف شخص وأسرة من سكان جبال ظفار. وهذا يعني أن المشروع سوف يحمي الغابات ويوفر فرص عمل لسكان الأرياف. وسوف تتمخض هذه التجربة عن خبرات أخرى، كاستزراع الأشجار المحلية ذات العائد الاقتصادي. فمن الممكن مثلاً استثمار جزء من المشروع في زراعة شجرة الصمغ العربي (Acacia senegal) التي تستخدم كمصدر للأدوية، علماً أن مستثمراً كويتياً يقوم بزراعة خمسة ملايين شجرة من هذا النوع في السودان. وسوف يساعد المشروع في جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية لإكثار تلك الأنواع المحلية على نطاق واسع من أجل إعادة الغابات ومساعدة المجتمع المحلي اقتصادياً. وبعد نجاح المشروع يجدر تعميمه على محافظات أخرى.

 

وتتفق هذه الرؤية مع توجه العالم الى تخفيض الانبعاثات الناتجة من إزالة الغابات وتدهورها بالتوسع في عمليات استزراع أنواع النباتات المحلية، سعياً إلى استدامة الغابات الطبيعية ومكافحة الاحتباس الحراري باعتبار أن الأشجار تعمل كمخزونات للكربون.

 
 

التعليقات
 
NERJESSE LOTOUSSE
HADEHE RABA HEYA KANZE TAMINE YAJEBE ALMOHAFADA "3LAYHE LA YAJEB ATAHAWENE ENCHA ALLAH YAJEDONA HOLOULE AWE BE AHRA YAJEB TATBIK KOL HADEHEY ALHOLOULE KAY NOHAFED 3LA HADEHE ALRABA ENA HAA KANZE
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.