Friday 28 Jan 2022 |
AE2022
 
KFAS Sukleen-Averda
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
مقالات
 
محمد السارجي كارثة في خليج اسكندرون  
تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 / عدد 80
 بعد أربع سنوات طويلة من رسوها في خليج اسكندرون في تركيا، بانتظار قرار قضائي لتحديد من يتحمل تكاليف إرجاعها الى اسبانيا، غرقت الباخرة الاسبانية MV ULLA في 7 أيلول (سبتمبر) 2004 في ظروف غامضة، مع حمولتها من النفايات السامة.
وصلت هذه الباخرة في شباط (فبراير) 2000 الى خليج اسكندرون قادمة من الجزائر، بعدما رفضت الحكومة الجزائرية استقبال حمولتها السامة. ومصدر الحمولة ثلاثة معامل في اسبانيا تستعمل الفحم الحجري لانتاج الطاقة. وكانت الشركة الاسبانية S.A. P/C DE DRAGADOS العاملة في الجزائر تنوي استعمال الرماد السام في بناء سد هناك، ولعبت شركة الاسمنت Asland Catalunya Y. del Mediterraneo دور الوسيط لشراء الرماد السام وبيعه لشركة دراغادوس. ولكن بعد رفض الجزائر السماح بدخول الحمولة السامة الى أراضيها، انتهى الأمر بالباخرة في خليج اسكندرون. ويقول البعض ان الحمولة الاساسية كانت 3800 طن، وقد بوشر استهلاكها في معامل الاسمنت في اسكندرون. وعندما علمت منظمة "غرينبيس" العالمية وبعض الجمعيات البيئية في تركيا بالأمر، رفعت دعوى عاجلة لوقف العملية. وبالفعل، أمرت المحكمة التركية باغلاق الباخرة وما تبقى من حمولة الرماد السام (2200 طن) داخل عنابرها بانتظار تحديد المسؤوليات واعادة الباخرة الى مصدرها.
انتهت المحادثات بين حكومتي اسبانيا وتركيا عام 2002 بقرار قضائي من المحاكم التركية لاعادة الباخرة الى اسبانيا. وتقبلت الحكومة الاسبانية القرار ووافقت على استعادة الباخرة وحمولتها. لكن وكيل الباخرة التركي مافي دنيز تقدم بشكوى قضائية، رافضاً دفع التكاليف، علماً أنه لم يُستجوب خلال هذا الوقت. وهكذا، انتظرت وزارة البيئة التركية حتى غرق السفينة جواباً من الحكومة الاسبانية لمعرفة ما اذا كانت ستتحمل كلفة اعادة الباخرة الى اسبانيا.
طوال السنوات الأربع بقيت الباخرة، بحسب قول مسؤولة حملات غرينبيس في تركيا بانو دوكماسيباسي، مهجورة وبحالة يرثى لها في الخليج، رغم النداءات المتكررة والملحة للمنظمات البيئية والخبراء الذين أكدوا أنها معرضة للغرق في أي وقت وان كارثة بيئية كبيرة كانت في الانتظار. وتضيف دوغماسيباسي: "فضلت الحكومة التركية التريث حتى غرقت الباخرة بسمومها. والآن نطالب وزارة البيئة التركية بالعمل السريع لتفادي تلوث البحر المتوسط".
وقد حذرت غرينبيس وجمعية حماية البيئة التركية من أن انتشار النفايات السامة في مياه اسكندرون سيكون له تأثير خطير للغاية على الاحياء المائية لعشرة أعوام على الأقل، وان تطهير المنطقة من المياه الملوثة سيستغرق سنوات طويلة.
غواصو غرينبيس
هذه ليست أول قضية تجارية للنفايات السامة في تركيا، ولن تكون الأخيرة ما لم تتخذ الحكومة الاجراءات اللازمة على حدودها. وما زالت تركيا تعاني من ابقاء مئات البراميل الايطالية السامة على أراضيها، وشواطئها مقابر للسفن المتقاعدة والملوثة.
بعد غرق "إم في أولا" احيل ملف التحقيق الى رئاسة أركان الجيش التركي والقوات البحرية، التي عملت على البحث في أسباب غرقها وتقصّي وضعها تحت الماء، باستخدام كاميرات تصوِّر من سطح السفينة. لكن رداءة المياه في قاع الخليج حالت دون ذلك.
وأصرت غرينبيس على ارسال فريق الغوص الخاص بها، رغم اعتراض القوات البحرية التركية على ذلك. وتقدمت بطلب الى المحاكم التركية، وحصلت بعد أسبوع على اذن بالغوص ليوم واحد فقط، في 14 أيلول (سبتمبر) 2004. وضمّ الفريق محمد السارجي من غرينبيس لبنان، وولف ديتر من غرينبيس ألمانيا، وفؤات كنت من غرينبيس النمسا، ودينز غومن من غرينبيس تركيا. ورافقه عدد كبير من الاعلاميين وعشرات الصيادين المحليين، الذين قاموا باعتصام في البحر فوق موقع الباخرة الغارقة. وقد عمد أحد الصيادين الى اضرام النار في مركبه احتجاجاً على اهمال السلطات التركية كارثة الباخرة التي غرقت قبل بدء موسم الصيد بأسبوع واحد.
خلال الغوصة الاولى، على عمق 42 متراً، قام فريق غرينبيس بوضع لافتة على الباخرة الغارقة طُبع عليها: "أوقفوا تجارة النفايات الآن". وقام بجولة على أنحائها، وخصوصاً على حمولتها التي لم توضع في مستوعبات، بل كدست في العنابر الضخمة التي هي بطول 100 متر وعرض 14 متراً. وفي الغوصة الثانية استكشف الفريق الباخرة بالكامل وأخذ صوراً فوتوغرافية وبالفيديو وعينات للتحليل المخبري.
مشاهدات في القاع
صدمتي الأولى كانت عندما رأيت الباخرة وقد غارت بمعظمها تحت رمال القاع. أقل من متر واحد من بطنها الذي يقارب علوه ثمانية أمتار ظل خارج رمل القاع. فلا شك أنها هوت بسرعة كبيرة جداً، ومقدمتها سبقت مؤخرتها، ومن ثم ضربت القاع بعنف مما أدى الى غرق هيكلها بالكامل تحت الرمول الموحلة. وتداعت أبواب العنابر كلها وتطايرت من مكانها وتكدست بعضها فوق بعض في مشهد مخيف في مقدمة الباخرة.
وأصبحت النفايات السامة معرضة بشكل مباشر لمياه البحر. وما يدعو الى العجب والغضب أن الرماد السام، الذي يحتوي على نسبة عالية من الكروميوم 6 المسبب للامراض السرطانية والقليل من الاشعاعات النووية، لم يوضب في مستوعبات محكمة الاغلاق أو في براميل، بل وضع بشكل عشوائي داخل بطن الباخرة الضخمة وكأنه قمح أو ذرة. وبفعل عملية التحلل مع مياه البحر، ونتيجة التيارات البحرية، فان البحر المتوسط بأسره مهدد بالتلوث من غرق هذه الباخرة. وستكون أعلى نسبة تلوث طبعاً في خليج اسكندرون، حيث عشرات المراكب الضخمة تصطاد الاسماك. والمعروف أن أسماك اسكندرون تصدر الى العديد من الدول العربية، وخاصة لبنان.
ما زالت غرينبيس تطالب السلطات التركية بتحمل مسؤولياتها والتصرف بسرعة لتفادي تلوث البحر. ولكن وزير البيئة التركي يتهم السلطات الاسبانية بالتباطؤ وعدم التعاون. وأعلن أنه أنشأ فريق طوارئ في 20 أيلول (سبتمبر)، أي بعد 14 يوماً على غرق السفينة.
خلال الغوصة الثانية تبيَّن لي أن الكثير من قطع الباخرة انتزع منها قبل غرقها. وقد أكد لي أحد الأشخاص أن أصحابها كانوا قد نزعوا الجهاز الكهربائي والمحركات الضخمة. وبالفعل، رأيت فتحة ضخمة في مؤخرة الباخرة. وعندما غصت داخلها الى الاسفل لم أرَ أي محرك. كانت الباخرة شبه عارية... الا من الحمولة السامة. وربما لهذا السبب يعتقد كثيرون، ومن بينهم وزير البيئة التركي، بأنها أغرقت عمداً بعمل تخريبي، وهو حمَّل الحكومة الاسبانية مسؤولية كل الاضرار التي أصابت البيئة من جراء حمولة السفينة.
لكن السؤال الذي يبقى في ذهني هو الآتي: عندما كانت الباخرة عائمة في خليج اسكندرون أمام أنظار الناس والوزارات، لم يفلحوا في إرجاعها الى مصدرها حتى بعد قرار قضائي تركي، فهل سيستطيعون شيئاً الآن وهي على عمق 42 متراً تحت سطح الماء؟
 
 
 
 

اضف تعليق
*الاسم الكامل  
*التعليق  
CAPTCHA IMAGE
*أدخل الرمز  
   
 
بندر الأخضر صديق البيئة
(المجموعة الكاملة)
البيئة والتنمية
 
اسأل خبيرا
بوغوص غوكاسيان
تحويل النفايات العضوية إلى سماد - كومبوست
كيف تكون صديقا للبيئة
مقاطع مصورة
 
احدث المنشورات
البيئة العربية 9: التنمية المستدامة في مناخ عربي متغيّر - تقرير أفد 2016
 
 
 
ان جميع مقالات ونصوص "البيئة والتنمية" تخضع لرخصة الحقوق الفكرية الخاصة بـ "المنشورات التقنية". يتوجب نسب المقال الى "البيئة والتنمية" . يحظر استخدام النصوص لأية غايات تجارية . يُحظر القيام بأي تعديل أو تحوير أو تغيير في النص الأصلي. لمزيد من المعلومات عن حقوق النشر يرجى الاتصال بادارة المجلة
©. All rights reserved, Al-Bia Wal-Tanmia and Technical Publications. Proper reference should appear with any contents used or quoted. No parts of the contents may be reproduced in any form by any electronic or mechanical means without permission. Use for commercial purposes should be licensed.