التغيُّر المناخي الذي يتسبب بزيادة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة من أهم العوامل المؤثرة في تفاقم ندرة المياه. وهذا لا ينطبق فقط على المناطق الجافة أصلاً، بل يشمل العالم كله، خصوصاً في الشرق الأوسط وأفريقيا. حتى أن بلداناً كانت معروفة بالغنى المائي، مثل هولندا، أصبحت تعاني من نقص في المياه العذبة.
لكن لا يجوز اتخاذ تغيُّر المناخ حجّةً لتبرير السياسات الخاطئة في إدارة المياه. فالمطلوب فوراً وضع حد لهدر الموارد المائية المتوافرة، ومنع تلويثها واستخدامها بكفاءة، للحصول على أكبر عائد ممكن باستخدام أقلّ كمية من الماء. ومن الضروري اختيار المحاصيل الزراعية التي تتطلب مياهاً أقل وتتحمل الجفاف، بما يعني ذلك من تغيير في العادات الاستهلاكية. كما لا بد من معالجة المياه بعد استخدامها، لتدويرها وإعادة استعمالها من جديد، مرة بعد مرة، لأن العالم لم يعد يملك رفاهية هدر المياه بلا حساب.
كما أن أثر التلوُّث من البلاستيك على المياه والبيئة عامة أصبح حقيقة واقعة. ورغم كل حملات التوعية وبرامج التدوير، ما زالت معظم كميات البلاستيك تُلقى في الطبيعة وتنتهي في المحيطات بعد استخدامها. وعبوات المياه من أبرز مصادر النفايات البلاستيكية. تخفيف المشكلة يكون في تأمين مياه صالحة للشرب في شبكات التوزيع، لتخفيف الحاجة إلى شراء مياه معبأة في عبوات بلاستيكية، إلى جانب وضع سعر مرتفع للعبوة الفارغة يضاف إلى السعر الاجمالي للمياه المعبأة، لتشجيع المستهلكين على اعادتها لاسترداد ثمنها، وهذا يدعم برامج التدوير وإعادة التصنيع.
أما تصدير المياه من دول تعاني إجهاداً مائياً فهو لا يقتصر على عبوات المياه، بل يشمل المحتوى المائي في جميع المنتجات، أكانت غذائية او صناعية، وهو ما يسمى "المياه الافتراضية". ومن أفظع مجالات هدر المياه في بعض الدول التي تعاني نقصاً حاداً التوسُّع في بعض الزراعات التي تتطلب كميات ضخمة، وانشاء مزارع أبقار شاسعة تضم مئات آلاف القطعان، واستنزاف المياه الجوفية لتربيتها وانتاج الأعلاف. والمفارقة عدم الاكتفاء بالإنتاج للاستهلاك الداخلي، بل تصدير كميات هائلة من منتجات الألبان. علماً أن انتاج ليتر واحد من الحليب يتطلّب استخدام ألف ليتر من المياه، في جميع المراحل، من إنتاج الاعلاف وتربية الأبقار وصولاً إلى المنتج النهائي.
لذا لا بد من حساب كمية المياه الافتراضية في أي منتج. وقد اقترحنا في تقارير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) وضع كمية المياه المستخدمة في مراحل إنتاج أي منتج، أو المحتوى الافتراضي، إلى جانب لائحة المحتويات الأخرى. فكفاءة المياه يجب أن تتساوى مع كفاءة الطاقة.
صحيح أن الدول الغنية الشحيحة في المياه تستطيع شراء مياه الشرب المعبأة من دول أخرى، واستخدام تقنيات التحلية. ولكن إذا كان هذا يمنحها أفضلية على الدول التي تعاني فقراً في المياه والمال معاً، إلا أنه حل وقتي عابر لا يتجاوز شراء الوقت. فالحل الجذري يبقى اعتماد إدارة متكاملة للمياه تحترم محدوديات الطبيعة، وهذا لا يعني الخضوع للطبيعة بل التعامل معها باحترام.
|