لعلّ الظاهرة المناخية التي يشهدها العالم خلال السنين الأخيرة، وهي التطرُّف المناخي الذي يتّخذ تعبيرات وأشكالاً مختلفة -الجفاف، الحرائق، الزلازل، الفيضانات- التي ضربت هذه الأيام بلداناً عديدة، خلّفت من ورائها خسائر بشرية ومادية.
ويُفسَّر التطرُّف المناخي بغضب الطبيعة الذي يتمظهر في الكوارث الطبيعية الحادّة التي تذكِّر الإنسان بعوزه وضعفه، وعدم قدرته على التحكُّم فيها أو مواجهتها حتى وإن توفّر على أعتى التكنولوجيات المعاصرة.
فالأعاصير التي تضرب مناطق في الولايات المتحدة الأميركية كل سنة تُظهر عجز الدولة عن السيطرة عليها رغم تقدمها التكنولوجي والعلمي والتقني، بحيث تجعل سكان المناطق المتضررة ترجع إلى الحالة البدائية وتستعمل أدوات تقليدية في الإضاءة والطهي.
والأغرب في الموضوع، رغم معاناة العالم مع التطرُّف المناخي، أن أنظمته، خاصة في الدول الصناعية، لم تلتزم بالكامل بتعهداتها المناخية، بل هناك من انسحب من اتفاقيات دولية معنية بخفض الانبعاثات.
وكشفت الأحداث المناخية الأخيرة عن مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة: فمؤتمرات دولية مناخية تعقد على مدار السنة، لقاءات، ندوات، بيانات، اتفاقيات ايكو-مناخية عديدة، إلا أنها تبقى معلقة، وفي المقابل تستمر الممارسات الملوّثة المساهمة في الخلل المناخي الذي يشكّل خطراً على وجود الإنسان.
وفي أحدث بحوثه، كشف البنك الدولي ان تأثيرات تغيُّر المناخ ستدفع 132 مليون شخص إلى براثن الفقر خلال السنوات العشر القادمة، ما لم يوضع حد لها، مبدداً بذلك المكاسب الإنمائية التي تحققت بشقّ الأنفس.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الكوارث الطبيعية تتسبب بخسائر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تُقدّر بنحو 18 بليون دولار سنوياً، من خلال الأضرار التي تُلحِقها بالبنية التحتية لتوليد الكهرباء والنقل وحدهما، كما تتسبب في اضطرابات أوسع للأُسر والشركات تقدّر تكلفتها بما لا يقل عن 390 بليون دولار سنوياً.
وأضاف البحث ان تغيُّر المناخ يمكن أن يُجبر 216 مليون شخص على الهجرة داخل بلدانهم بحلول سنة 2050، مع ظهور بؤر ساخنة للهجرة الداخلية بحلول سنة 2030، ومن ثم تأخذ في الانتشار والتفاقم بعد ذلك.
ولقد تبيّن من خلال تاريخ الكوارث الطبيعية التي تتعرض لها بلدان شمال أفريقيا أن حالات الجفاف والفيضانات تشكِّل أكثر الأحداث المناخية شيوعاً فيها، وتمثّل تهديداً مباشراً للأرواح وسبل العيش.
ماذا يمكن للمغرب أن يفعل في مواجهة التطرُّف المناخي؟
حسب دراسات دولية ووطنية، يواجه المغرب تغيُّرات مناخية تجعله عرضة للكوارث الطبيعية الحادّة.
إذ بعد سبع سنوات من الجفاف، يشهد المغرب اليوم أمطاراً كثيفة أحدثت هزة فيضانية، أدّت إلى اجتياح المياه لكثير من المنازل والمحلات التجارية في العديد من المدن المغربية كاسفي ولقصر الكبير وسيدي قاسم. وقد أدى ذلك إلى خسائر مادية وبشرية.
وما زالت النشرات الجوية الانذارية الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية تحثّ السكان على اتخاد الاحتياطات اللازمة، والالتزام بتعليمات السلطات المحلية وفرق الإنقاذ، والابتعاد عن الأودية.
ما يمكن استنتاجه، أن الدولة عبأت جميع الإمكانيات لمواجهة الفيضانات الأخيرة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوفير المستلزمات الضرورية لإيواء سكان المناطق المتضررة وتوفير رعاية صحية لهم. إلا أنه لابد من التأكيد على ضرورة:
• وجود وجود مختبر وطني يمتلك المعرفة العلمية والتقنية للتنبؤ بالكوارث الطبيعية حتى تتمكن الدولة والمجتمع من مواجهتها. فالمغرب، رغم توفره على عدة مختبرات إلا أنها غير مختصة في التنبؤ المناخي. نذكر منها المختبر الوطني للدراسات ورصد التلوُّث(LNESP) ، التابع لـوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وهو أداة تقنية وعلمية رئيسية (يقع مقره في الرباط – مدينة العرفان) لرصد تلوُّث الهواء، المياه، والنفايات. إضافة إلى مركز الكفاءات في التغيُّر المناخي (4C Maroc) وهو منصة وطنية تأسست 2015 تهدف إلى تعزيز الحوار وتقوية قدرات الفاعلين المنخرطين في مكافحة التغيُّر المناخي، مع انفتاح على بيئته الإقليمية والقارية والدولية. وباعتباره مركزاً للمعلومات، يلعب دوراً رئيسياً في توثيق المعرفة وتطوير حلول مبتكرة لمواجهة التحديات المناخية. ومن مهامه: تعزيز قدرات الفاعلين الوطنيين، تثمين وتبادل المعرفة، تطوير آليات دعم القرار، المساهمة في الجهود العالمية.
• تطوير ثقافة أدوات الإنذار.
• بلورة خريطة للأودية في المغرب وتعميمها، خاصة الأودية النائمة منها في مرحلة الجفاف.
• التحسيس وتشديد المراقبة لمنع أي بناء بجانب أو فوق الأودية النائمة.
• تطوير خلايا اليقظة المناخية على مستوى جهات المملكة لتحسيس المواطنين بأهمية التقيُّد بتعليمات السلطات المحلية، والنشرات الانذارية الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية.
• إدماج التغيُّر المناخي وآليات التكيُّف المناخي مع الكوارث الطبيعية في المقررات الدراسية.
• دعم وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي المتخصصة في المجال الايكو- مناخي لنشر ثقافة التكيُّف المناخي.
• بلورة استراتيجية وطنية مناخية جديدة يساهم فيها المجتمع المدني، المؤسسات العلمية والمؤسسات الرسمية.
عبد المجيد بوشنفى، رئيس الجمعية المغربية للإعلام البيئي والمناخ