مرة أخرى تظهر سومطرة على واجهة الأحداث المأسوية. لم تكن الكارثة "تسونامي" هذه المرة - مثل ما حدث منذ أكثر من عشرين عاماً - عندما استيقظت الجزيرة الاستوائية الواقعة في أقصى الغرب الاندونيسي على أمواج هائلة كالجبال تضرب سواحلها بقسوة، وُصفت وقتها بـ"كارثة القرن"، حيث اندفعت الأمواج محطمة بلا رحمة كل شيء أمامها وقاربت أعداد الضحايا الربع مليون، وملايين المتضررين والمشردين وخسائر قدرت بالبلايين. كان السبب والمتهم الأول وقتها زلزال عنيف في أعماق المحيط الهندي قرب سواحل الجزيرة المنكوبة. لكن المأساة هذه المرة، رغم أنها أقل خطورة من ذلك التسونامي المرعب، إلا أن دلالتها أكثر خطورة.
المتهم هذه المرة قاتل متسلسل لم ولن يكتفي بكارثة واحدة، بل عدّة كوارث مركّبة. ولن تكون مرة واحدة، بل ستتكرر كثيراً وستكون أسوأ حالاً. هذه المرة يظهر "التغيُّر المناخي" كأخطر متهم وأداة قتل تعيد تشكيل مناخنا وعالمنا بشكل مأسوي.
فالأمطار الموسمية التي تميّز المناطق الاستوائية، ومنها سومطرة بغاباتها المطيرة -التي تعدّ من أهم الغابات الاستوائية في العالم وتعتبر موئلاً طبيعياً لملايين الأنواع الحية وموطناً مدهشاً لتنوُّع بيولوجي هائل- لا تفعل عادة مثل ذلك الدمار الكبير الذي حدث منذ شهرين في جنوب شرق آسيا وجزيرة سومطرة وإقليم آتشيه بصفة أخصّ.
فقد ضربت عواصف مدارية أندونيسيا والدول المحيطة بها متسببة بأمطار غزيرة أدّت إلى فيضانات مفاجئة غمرت مناطق وقرى بأكملها، وأدّت إلى انهيارات أرضية جرفت في طريقها الأشجار والبيوت ومقتل المئات وتشريد ما لا يقل عن مليون شخص. لكن لماذا سومطرة تحديداً دائماً الأكثر خسارة؟
تكمن الإجابة هناك في عمق غابات سومطرة المطيرة. فالغابة لم تعد كما كانت، حيث تبدو ملامحها شاحبة وتتراجع أشجارها يوماً بعد يوم. المشهد هناك ليس جيداً بالمرة، بل الصورة بائسة لغابة وغطاء أخضر كثيف، كان رئة تحمي الكوكب، ودرع حماية للتربة، ومنظماً طبيعياً للدورة الطبيعية للمياه.
هناك في عمق التربة يحدث كل شيء. فالتربة التي كانت تحميها أشجار الغابة، التي تضرب بجذورها العتيقة عبر السنين في باطن الأرض لتشق مسارات تتنفس التربة من خلالها وتعمل كممرات لتخزين المياه التي تتساقط دوماً في مناخ استوائي طبيعي، هذه التربة بغناها بالمواد العضوية والمسام والقنوات وجذور الأشجار، تمثّل "نظاماً بيئياً" متكاملاً يضمن توازن الدورة الهيدرولوجية للمياه بشكل مستقر عبر آلاف السنين، حيث تمتص التربة جزءاً تخزنه في عمقها بما يسمّيه العلماء "تأثير الإسفنجة". كما تمتصّ الأشجار جزءاً تعيده بعمليات النتح والتبخُّر إلى الغلاف الجوي مرة أخرى، فتظل التربة متماسكة مستقرة. فماذا حدث؟
تتعرض الغابة هناك -بسبب الأنشطة البشرية الكثيفة والمتطرّفة- لقطع أشجارها لأغراض التوسُّع الزراعي وإنشاء المراعي وأغراض التعدين بشكل مفرط، وتتسبب عمليات الإزالة هذه في فقدان الغطاء الغابي بشكل متسارع، ومعها تنكشف التربة وتصبح بلا جذور أشجار، ومن ثم بلا مسام أو قنوات لتحتفظ بالمياه أثناء مواسم الأمطار وتكاثف التساقط. كما تتعرض لاختفاء المظلات الورقية للأشجار التي كانت تقلل كميات الأمطار التي تنزل إلى التربة مباشرة، حتى أصبحت التربة بلا حماية. ومع سقوط الأمطار الغزيرة تنهار التربة تحت كثافة المياه وتتحوّل إلى فيضان يجرف في طريقه كل شيء.
وبالتالي نحن أمام كارثة بيئية من صنع الإنسان، وليس الأمر كارثة طبيعية نتيجة أعاصير وعواصف، بل حتى هذه الظواهر نفسها زادت حدّة وشدّة نتيجة التغيُّر المناخي وارتفاع حرارة الكوكب، مع التزايد الهائل في معدل انبعاثات غازات الدفيئة.
ويبدو أن شهية الرأسمالية المتغوّلة لم تكتفِ بعد، وستستمر ما لم يتم إيقافها عن التسبب بالمزيد من الخسائر والكوارث البيئية، التي يصفها عالم النبات الفرنسي جان ماري بيلت بأنها "نتيجة منطقية لخلل وظيفي عميق في المجتمع الصناعي الذي وقع في شباك إفراطاته وتناقضاته".
لم تنفع تحذيرات العلماء ولا دعوات المنظمات البيئية لإيقاف الأنشطة الرأسمالية التي تقتل الغابة وتقتل معها منظومات بيئية كاملة على نحو كارثي، حيث أن المناطق المزروعة بأشجار النخيل الأحادية نفسها لا تصلح لحماية التربة بل لا يتم ترك هذه المناطق لتتعافى مرة أخرى.
وتسارُع الفقدان للغطاء الغابي نتيجة تلك الأطماع الاستهلاكية والأنشطة المفرطة في القطع والإزالة تضاعف الكارثة، بل هي ضاعفتها بالفعل وفاقمت من خطر الفيضانات وتسببت في ضحايا ونزوح بالآلاف. ولو استمرت وتيرة القطع والإزالة بهذا المعدل ستكون الكارثة أكبر وأخطر من مجرد فقدان غطاء أخضر، وهو ما حذّرت منه منظمة مراقبة إزالة الغابات "نوسانتارا أطلس"، حيث ذكرت في تقاريرها أن شمال وغرب سومطرة وحدها فقدت ما بين عامي 2001 و2024 نحو 44 ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة سويسرا.
نحن أمام أنظمة طبيعية تتهاوى، ولا يتم اتخاذ خطوات جريئة قوية لتمنع ذلك النزيف من الوصول إلى نقطة تحوّل حرجة لا تستطيع معها التعافي أو التكيُّف. ويبدو أننا بعيدون عن هدف "عكس مسار إزالة الغابات"، الذي أطلقته الأمم المتحدة كأحد أهم أهداف التنمية المستدامة لحماية الأنظمة الإيكولوجية البرية وتعافيها وتحقيق إدارة مستدامة للغابات. وهو أمر يخبرنا بأننا على مسار مخيف، بل بتعبير الفيلسوف إدغار موران: "نحن نسير إلى الهاوية".
محمد علي الدين، كاتب ومدوّن مصري مهتم بقضايا العلوم والبيئة