بيروت، 2/7/2026
ساهم المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) في التقرير الرابع عشر لمؤسسة الفكر العربي، بفصل رئيسي عنوانه "البلدان العربية والتحوُّلات البيئية في عالم متغيّر". كتب الفصل الأمين العام للمنتدى نجيب صعب، استناداً إلى ما توصّلت إليه أبحاث "أفد" في هذا المجال. وحمل التقرير عنوان "الأمن الغذائي والمائي العربي: أزمات متراكمة ومبادرات واعدة".
استعرض الفصل الأزمات الهائلة التي واجهها العالم في السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الحرب المدمّرة في أوكرانيا والإبادة الجماعية العرقية في فلسطين والحرب الإسرائيلية ـ الأميركية - الإيرانية مع امتداداتها في لبنان، وصولاً إلى السياسات الأحادية الانعزالية الصادمة للإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترمب. وقد أدّت هذه الأزمات إلى اضطرابات هائلة في سلاسل التوريد والطاقة والغذاء وارتفاع الأسعار، مما أعاق أيضاً المبادرات والاستثمارات البيئية. ولم تَسلَم المنطقة العربية من آثار هذه الأزمات، إذ يتعامل الكثير منها في وقت واحد مع الحروب والصراعات الداخلية والانهيارات الاقتصادية. وكان لكل هذا عواقب هائلة على مسار تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتحوُّل الطاقة والأمن المائي والغذائي والعمل المناخي. وقد كشفت الأزمات نقاط ضعف متأصلة في البلدان العربية، كمجموعة وعلى مستويات متفاوتة بين الدول المختلفة، كانت لها عواقب بيئية هائلة.
لقد كانت المنطقة العربية تعاني بالفعل ضعف الأمن الغذائي، نتيجة النمو السكّاني المتسارع والجفاف الناجم عن تغيُّر المناخ والصراعات الأهلية. وتفاقم ذلك بفعل افتقار المنطقة إلى الاكتفاء الذاتي الغذائي والاعتماد الكبير على الواردات. كذلك تعاني الدول العربية عجزاً تاريخياً كبيراً في المياه المتجددة. وعلى المستوى الإقليمي، كان الإنفاق على الحماية الاجتماعية والصحة وأهداف التنمية المستدامة عموماً من الأدنى في العالم، مما يجعل السكّان العرب أقل استعداداً لمواجهة التحديات البيئية وتحقيق الأهداف المتفق عليها. في المقابل، مكَّنت معدلات الدخل الأعلى، بالتوازي مع تعزيز الحوكمة وتوجيه الاستثمارات نحو أولويات محددة، بعض الدول العربية من تحقيق تقدُّم ملموس في أهداف التنمية، بما فيها تسريع التحوُّل الطاقوي وبرامج التخضير وتوسيع نطاق المحميات الطبيعية.
سرَّعت أزمة الطاقة التي تسببت بها الحرب الأوكرانية التحوُّل العالمي الى الطاقات المتجددة المنتجة محلياً، لتقليل الاعتماد على مصادر خارجية. وتعزز هذا التحوُّل مع تدهور الامدادات عبر مضيق هرمز، خصوصاً النفط والغاز، نتيجة المواجهات مع إيران. ومن المتوقع استمرار هذا النهج، خصوصاً أن الصين تجد فيه فرصة لزيادة استثماراتها لقيادة الأسواق العالمية للطاقة المتجددة، كما فعلت بنجاح خلال ولاية ترمب الأولى. لهذا فمن المجدي استثمار الإيرادات الإضافية للتعجيل في تنويع الطاقة، والمساهمة في تقدُّم أهداف التنمية المستدامة الأخرى، مثل القضاء على الجوع والفقر والبحث والتطوير الزراعي لتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي، وزيادة الوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي. وعلى كل الجبهات، من الطاقة إلى الغذاء إلى الماء، ينبغي أن يكون هناك مزيد من التعاون الإقليمي للحفاظ على الصحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ولاسيما في أوقات االأزمات وعدم الاستقرار. ومع الحاجة إلى توسيع خيارات التعاون الدولي بما يحقق المصالح العربية، من الضروري الاهتمام بتعزيز العلاقات مع دول حوض المتوسط، التي تجمعها مع الضفة العربية اهتمامات ومصالح مشتركة، في البيئة كما في الاقتصاد.