Friday 07 Oct 2022 |
AFED2022
 
AFEDAnnualReports
Environment and development AL-BIA WAL-TANMIA Leading Arabic Environment Magazine
المجلة البيئية العربية الاولى
 
 
موضوع الغلاف
 
بشار زيتون وقائع وأرقام مذهلة في بلدان الخليج  
كانون الثاني - شباط (يناير-فبراير) 2013 / عدد 178-179

وقائع وأرقام مذهلة في بلدان الخليج

السـكان والاستهلاك

في المنطقة العربية

 

ازدادت نسبة سكان المدن في المنطقة العربية من 38% عام 1970 الى 55% عام 2010. ونمت أعداد العمال الوافدين بشكل مذهل في منطقة الخليج، حتى بات المواطنون يشكلون أقل من ربع السكان في بعض البلدان. وارتفعت نسب الاستهلاك الفردي كثيراً بالمقارنة مع بقية العالم. ولهذه التحولات تداعيات كبيرة على البصمة البيئية للبلدان العربية

 

بشار زيتون

بلغ عدد سكان العالم العربي عام 2010 نحو 357 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصبح 633 مليوناً بحلول سنة 2050، فق الاحصاءات السكانية التي أجرتها الأمم المتحدة عام 2011.

وتشير اتجاهات في نسب الخصوبة الاجمالية في البلدان العربية إلى انخفاض جوهري وسريع خلال العقدين الماضيين، إذ أصبح 3,1 ولادات لكل امرأة بالمقارنة مع 7,2 ولادات لكل امرأة في أوائل خمسينات القرن العشرين. وفي معظم البلدان، كان جزء جوهري من هذا الانخفاض حديثاً، إذ حصل خلال نحو 30 سنة بين 1980 و2010. وخلال هذه الفترة الزمنية، شهد 15 بلداً عربياً من 22 انخفاضاً بلغ 50 في المئة أو أكثر في نسب الخصوبة الاجمالية. وتظهر الاتجاهات البيانية أن نسب الخصوبة الاجمالية المقدرة هبطت حالياً الى أدنى من 2,5 ولادة لكل امرأة في ثمانية بلدان، هي البلدان المغربية الكبرى الثلاثة (الجزائر، المغرب، تونس) ولبنان وأربعة بلدان خليجية (البحرين، الكويت، قطر، الامارات)، في حين أن لدى ثمانية بلدان نسب خصوبة اجمالية تفوق 4 ولادات لكل امرأة، بما فيها البلدان المكتظة بالسكان وهي العراق والسودان واليمن. لكن بما أن بداية انخفاض الخصوبة كانت حديثة نسبياً، فمن المتوقع أن تشهد المنطقة العربية نمواً سريعاً في عدد سكانها خلال العقود القليلة المقبلة، ولو بنسبة آخذة بالانخفاض.

ثمة اتجاه رئيسي آخر يؤثر في التغيير الديموغرافي العربي هو ارتفاع نسبة التوسع المُدني. فقد ازدادت نسبة السكان الذين يعيشون في مناطق مدنية في البلدان العربية من 38 في المئة عام 1970 الى 55 في المئة عام 2010. وبحلول سنة 2050، من المتوقع أن يعيش 66 في المئة من السكان العرب، أي 423 مليون نسمة، في مناطق حضرية. لذا، على مخططي المدن ومسؤولي المجالس البلدية أن يتعاطوا جدياً مع مفهوم التوسع المُدني المستدام، كشرط لتحسين نوعية الحياة وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة والمياه والنقل والسكن وخدمات إدارة النفايات وغيرها من أسباب الصحة والراحة.

هناك ميزة بارزة للتحول الديموغرافي في المنطقة العربية، هي الارتفاع الكبير في حجم السكان الذين هم في سنّ العمل (15 ـ 64 عاماً). ووفق دراسة حول التحديات التنموية العربية أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2011، ازدادت نسبتهم في المجموع من 51 في المئة عام 1970 الى 62.45 في المئة عام 2010، ومن المتوقع أن تبلغ حداً أقصى هو 66 في المئة سنة 2040 وأن تنخفض الى 65 في المئة بحلول 2050. في المقابل، يتوقع أن تتضاعف نسبة السكان الذين يبلغ عمرهم 65 سنة أو أكثر أربع مرات بالمقارنة مع 1980.

سوف تكون لهذه التحولات الديموغرافية في عدد السكان ونسبة النمو والتركيبة العمرية والكثافة المُدنية تداعيات كبيرة على نسبة العمالة والبصمة البيئية والطلب على الموارد والاستقرار الاجتماعي خلال العقود القليلة المقبلة.

 

التحولات الديموغرافية في بلدان مجلس التعاون الخليجي

يوفر الوضع في بلدان مجلس التعاون الخليجي مثالاً ممتازاً على تأثيرات السكان والاستهلاك على البصمة البيئية لهذه البلدان، بسبب التدفق الكبير للعمال الوافدين خلال العقود الأربعة الماضية، مصحوباً بتغيير سريع في أنماط الاستهلاك.

لقد حدث تغير اقتصادي سريع في شبه الجزيرة العربية على أثر منح الامتيازات النفطية الأولى في منطقة الخليج خلال ثلاثينات القرن العشرين. وبعيداً عن صيد الأسماك واللؤلؤ ورعي المواشي والتجارة البحرية، وُلدت الاقتصادات القائمة على النفط. وفي ما بعد، حفزت الرغبة في استخدام عائدات النفط لتلبية الحاجات الأساسية ولتسريع التنمية حكام الخليج على تطوير الخدمات العامة، من مستشفيات ومياه وطرق ومدارس وكهرباء وسواها، التي مهدت الطريق لخلق نظام دولة الرفاهية. ونظراً لانخفاض مستويات التعليم والمهارات المتوافرة محلياً في ذلك الوقت، بدأت الدول الخليجية الناشئة تعتمد على الأيدي العاملة الأجنبية. وساهمت سياسات النمو السريع بارتفاع سريع في الطلب على الأيدي العاملة. وقدمت أولى موجات العمال الوافدين من البلدان العربية. لكن مع مضي الوقت، وخصوصاً عندما انطلقت التنمية واقعياً خلال سبعينات القرن العشرين، تزايد عدد العمال المستقدَمين من آسيا.

ويستمر الاعتماد على الأيدي العاملة الأجنبية في بلدان الخليج حتى يومنا هذا. وفي دراسته «وافدون في بناء دول الخليج»، استنتج عالم الاجتماع الفرنسي فيليب فارغس(2011) «أن الغنى الذي ولده النفط سمح بنمو ديموغرافي، من خلال ارتفاع معدل الخصوبة في صفوف المواطنين وازدياد تدفق الأجانب»، وأن «الزيادة السريعة في أعداد الوافدين أنتجت مجتمعات تعاني تقلصاً مستمراً في نسبة المواطنين».

الارتفاع السريع الأول في عدد السكان أعقب الارتفاع الحاد في سعر النفط في أوائل السبعينات وطفرة الإنفاق التي تلته. وقد نما عدد السكان الوافدين بمقدار تسعة أضعاف خلال فترة 15 سنة، بين 1975 و1990، بمعدل نمو سنوي أسرع 4.5 في المئة من نمو عدد المواطنين. وكانت نسبة السكان الأجانب 9.7 في المئة عام 1975، وقفزت الى 36,6 في المئة عام 1990، وبلغت42,7 المئة عام 2010.

تشير الإحصاءات خلال الفترة 1975 ـ 2010 الى أن لدى البحرين والكويت وقطر والامارات أصغر أعداد من السكان المواطنين، أي أدنى من مليون، وقد أصبحوا أقلية. ووفق احصاءات رسمية، يشكل المواطنون 13 في المئة من مجموع السكان في قطر (2010) و18 في المئة في الامارات (2009)، في حين يشكل غير المواطنين نحو ثلث مجموع السكان في عُمان والسعودية.

وعلى رغم أن دول الخليج تبنت سياسات تعزز ارتفاع نسب المواليد لدى مواطنيها، فقد استمر عدد الأجانب في الارتفاع كنسبة من إجمالي عدد السكان، بسبب ارتفاع نسبة العمال الوافدين. وعلاوة على ذلك، فان السياسات المختلفة لإحلال العمال المواطنين مكان العمال الأجانب فشلت في تخفيض الطلب على الأجانب أو إحداث زيادات كبيرة في نسبة المواطنين في قوة العمل.

ومن الجدير ذكره أن نسب الخصوبة بين النساء المواطنات في بلدان مجلس التعاون الخليجي، أي متوسط عدد الأولاد الذين تنجبهم كل امرأة، تنخفض بشكل كبير منذ أوائل تسعينات القرن العشرين نتيجة تحسن فرص التعليم. وتحسباً للمستقبل، ومع استمرار دول الخليج في تبني خطط طموحة لتطوير اقتصاداتها، فسوف يستمر تزايد عدد السكان الأجانب، لأن قوة العمل الوطنية لن تكون كافية لتلبية حاجات التنمية الاقتصادية السريعة.

وثمة تقديرات أحدث تشير الى نسب أعلى للوافدين. فعلى سبيل المثال، ترى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية في الكويت أن نسبة المواطنين في البلاد عام 2008 كانت 31 في المئة من اجمالي عدد السكان البالغ 3.4 ملايين. وفي الامارات، تشير تقديرات المركز الوطني للاحصاءات عام 2011 إلى أن عدد السكان في البلاد زاد بنسبة 65 في المئة من 2006 حتى منتصف 2010 ليبلغ 8.26 ملايين. وقدر المركز أن «المواطنين في الامارات يشكلون 11,5 في المئة، أي نحو 948 ألفاً من عدد السكان». وحدد تقدير قطري عدد السكان في البلاد بنحو 1,64 مليون في نهاية 2010.

هناك اتجاهات تنطوي على تحديات أكبر تتعلق بأرقام العمالة ونسب مشاركة المواطنين في الاقتصاد. ووفق أحدث الدراسات التي تناولت الفترة 2001 ـ 2011، كانت نسبة البطالة 4,6 في المئة في منطقة مجلس التعاون الخليجي، لكنها ارتفعت كثيراً الى مستوى منذر بالخطر بلغ 23.3 في المئة بين الشباب (15 ـ 24 عاماً)، ما يشكل ضعفي المعدل العالمي البالغ 11,9 في المئة. ويميل القطاع العام الى الهيمنة على تشغيل المواطنين. مثال على ذلك أن الكويتيين شكلوا 69,3 في المئة من مجمل القوة العاملة في القطاع العام خلال الفترة 2010 ـ 2011، في حين استأثر القطاع الخاص بنسبة 6,5 في المئة. وفي قطر، كانت نسبة المواطنين العاملين في القطاع الخاص عام 2009 نحو 5 في المئة فقط.

 

اتجاهات الاستهلاك

يُستخدم الناتج المحلي الاجمالي واستهلاك الكهرباء وانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون كمؤشرات للاستهلاك. وتشير نسب نمو هذه المؤشرات في بلدان مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الأربعة الماضية الى ارتفاع كبير في نسب الاستهلاك الفردي، بالمقارنة مع بقية العالم. وكان الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي (بقيمة ثابتة للدولار سنة 2000) في الامارات أعلى مرة ونصف في 2010 عما كان عام 2000. إذ ازداد بنسبة نمو سنوية مركبة بلغت 4.3 في المئة. ونما الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في قطر 13,2 في المئة سنوياً من 2000 الى 2009، ما يمثل زيادة 13 ضعفاً، بالمقارنة مع معدل النمو السنوي العالمي البالغ 2,3 في المئة خلال الفترة ذاتها.

التغيرات في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون للفرد في بلدان المجلس خلال العقدين الماضيين سلطت الضوء على كثافة الاستهلاك. وكانت الانبعاثات التي أنتجها المستهلك العادي أعلى من المعدل العالمي 7 أضعاف في الإمارات و9 أضعاف في قطر. وكانت الزيادة المئوية في الانبعاثات من 1990 الى 2009 نحو 183 في المئة في الإمارات و300 في المئة في قطر، بالمقارنة مع 38 في المئة كمعدل عالمي.

ويظهر استهلاك الطاقة الكهربائية في بلدان المجلس اتجاهات مماثلة. ففي العام 2009، كان استهلاك المقيم العادي في الامارات أعلى أربع مرات من المعدل العالمي، وفي قطر أعلى خمس مرات. ونما استهلاك الطاقة الكهربائية بنسبة 9 في المئة سنوياً في كلا البلدين من 1990 الى 2009، ما أنتج زيادة 412 في المئة في الامارات و404 في المئة في قطر، بالمقارنة مع 214 في العالم العربي.

وقد أعلن كل بلد خليجي خطة تنمية متعددة السنوات كجزء من رؤية طويلة الأجل ليصبح مركزاً إقليمياً وعالمياً للتمويل والتجارة واللوجستيات والتعليم ووسائل الاعلام والرعاية الصحية. فعلى سبيل المثال، وافقت الكويت مؤخراً على خطة تنمية بقيمة 108 بلايين دولار خلال الفترة 2010 ـ 2014 كجزء من رؤية الكويت 2035، وهي الأولى من ست خطط تنمية متتالية لدفع البلاد كي تصبح المركز المالي والتجاري الرائد في المنطقة بحلول سنة 2035.

وكجزء من رؤيتها الوطنية لسنة 2030، خصصت قطر 125 بليون دولار لاستراتيجية التنمية الوطنية 2011 ـ 2016 الهادفة الى «تحويل قطر بلداً متقدماً بحلول سنة 2030، قادراً على دعم تطوره وتوفير مستوى معيشة مرتفع لجميع سكانه وللأجيال المقبلة». وفي السعودية، خصصت الحكومة 384 بليون دولار لخطة التنمية الخماسية 2010 ـ 2014، علماً أن هذا لا يشمل انفاق 129 بليون دولار لتحسين الوضع الاجتماعي الذي أعلن عنه في أوائل 2011.

وتسعى الرؤية الاقتصادية في أبوظبي 2030 الى زيادة الناتج المحلي الاجمالي في الامارة خمسة أضعاف بحلول سنة 2030، ما يمثل نمواً سنوياً مقداره6.7 في المئة. ومن المتوقع أن يزداد الدخل الفردي بأكثر من 50 في المئة.

واستنتجت دراسة أجرتها MEED Projects عام 2012 أن دول مجلس التعاون الخليجي مهيأة لمنح 286 بليون دولار لمشاريع الانشاء والبنى التحتية بين 2012 و2016، معتبرة أن «هذا النوع من النمو لا يمكن أن يشهده أي مكان آخر في العالم، وما زالت تدفعه احتياطات هائلة من الدولارات البترولية».

 

حسابات البصمة البيئية

بناء على نتائج تقييم البصمة البيئية في البلدان العربية التي أوردها تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية لسنة 2012، بلغت البصمة البيئية المسجلة للفرد في بلدان مجلس التعاون الخليجي 5,7 هكتارات عالمية عام 2008، في حين بلغت القدرة البيولوجية المتوافرة 0,8 هكتار عالمي للفرد. ويشير هذا العجز في القدرة البيولوجية الى أن استهلاك الموارد البيئية لدعم النشاطات الاقتصادية تجاوز القدرة على تزويد هذه الموارد بنسبة 600 في المئة. وبالقيمة المطلقة، نمت البصمة البيئية من 6 ملايين الى 239 مليون هكتار عالمي بين 1961 و2008. ويعزى هذا الى الارتفاع السريع في عدد السكان، وارتفاع مستويات الاستهلاك الفردي، وارتفاع كثافة استهلاك الموارد لكل وحدة من الناتج المحلي الاجمالي. وقُدرت القدرة البيولوجية المتوافرة، التي تقيس القدرة على توفير الموارد البيولوجية واستيعاب انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، بـ33 مليون هكتار عالمي عام 2008.

اذا استمر ازدياد عدد السكان واستهلاك المواد كما هو متوقع، فسوف يزداد عجز القدرة البيولوجية، ما يتسبب بتداعيات جدية للرفاه في المنطقة. وهو يستتبع الافراط في استهلاك الموارد البيئية المحلية والاعتماد على الواردات، وكلاهما استراتيجيتان غير مستدامتين. وفي المدى الطويل، سوف يؤدي الافراط في الاستهلاك الى استنزاف مخزونات الموارد الطبيعية المتجددة، كالمياه الجوفية ومصائد الأسماك، في حين أن الاعتماد على المستوردات يثير مخاوف تتعلق بانعدام الأمن الاقتصادي. ولتجاوز العجز، يتوجب زيادة القدرة البيولوجية المتوافرة بأكثر من 7 أضعاف أو 206 ملايين هكتار عالمي.

ولتوفير رؤية مقارنة، بلغ معدل البصمة البيئية للفرد في بلدان مجلس التعاون الخليجي 5,7 هكتارات عالمية عام 2008، أي أكثر من ضعفي معدل البصمة العالمية. ولو كانت البصمة الفردية في العالم مساوية للبصمة الفردية الخليجية، لاحتاج العالم الى ثلاثة كواكب للوفاء بنسب الاستهلاك والانبعاثات الكربونية لكل مقيم على الأرض.

وتشكل الانبعاثات الكربونية في بلدان مجلس التعاون 67 في المئة من اجمالي البصمة البيئية للمجموعة. وكانت البصمة الكربونية العنصر الوحيد الذي ازداد بشكل كبير منذ 1961 على أساس فردي. وهذا  يتماشى مع الاستهلاك المكثف للوقود الأحفوري لتسريع وتيرة العصرنة والنمو الاقتصادي.

وقد وفرت صدمات أسعار النفط عام 1979 مداخيل مرتفعة، ما أدى الى تسارع الإنفاق على البنى التحتية والتنمية، وهذا زاد استهلاك الطاقة للفرد. ومع إغراق الأسواق بالنفط في منتصف ثمانينات القرن العشرين، انخفض النمو الاقتصادي في بلدان الخليج، وعانى بعضها نمواً سلبياً، ما أدى الى تراجع في الانبعاثات الكربونية وانخفاض في البصمة البيئية للفرد في المنطقة. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انعكس ارتفاع دورة أسعار النفط ارتفاعاً في  نمو الناتج المحلي الاجمالي وتصاعداً في البصمة البيئية.

يجدر التنبه الى أن القدرة البيولوجية لبلدان مجلس التعاون الخليجي تتكون بشكل كبير من مصائد الأسماك (57 في المئة) وقد انخفضت القدرة الانتاجية لمصائد الأسماك البحرية في الخليج بسبب التلوث وتدمير الموائل والصيد المفرط.

 

النمو السكاني والاستهلاك الفردي

لا شك أن سياسات النمو الاقتصادي زادت الطلب على الأيدي العاملة في بلدان مجلس التعاون الخليجي، ما سبب زيادة كبيرة في تدفق العمال الأجانب. وحالياً، تتراوح نسبة العمال الوافدين من ثلث الى أكثر من أربعة أخماس اجمالي عدد السكان: قطر 87 في المئة (2010)، البحرين 49 في المئة (2007)، الامارات 88.5 في المئة  (2010)، الكويت 69 في المئة(2008) . ويشكل غير المواطنين ثلث السكان في عُمان (2008) والسعودية (2010).

ونظراً للعجز الكبير في القدرة البيولوجية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، المعروفة بشحة مواردها الأرضية والمائية وباعتمادها على المستوردات الغذائية، فإن النمو السكاني السريع، الذي يسببه التدفق السريع للعمال الأجانب، يسرع استهلاك الموارد وتوليد النفايات ويعجل وتيرة التدهور البيئي.

كما كان لارتفاع نسبة العمال الوافدين تأثير سلبي أدى الى تخفيض حصة المواطنين في قوة العمل. فهو مسؤول، مثلاً، عن تخفيض حصة القطريين في قوة العمل بأكثر من النصف، من 14 في المئة عام 2001 الى 6 في المئة عام 2009. وهذا شائع في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي، ويعكس أيضاً تحديات أعمق في التصدي لفقدان الدافع لدى المواطنين الى طلب العلم، والمكوث في قوة العمل، والتماس وظائف ذات مهارات عالية في القطاع الخاص. وعبَّر بعض مخططي السياسات عن هذه المخاوف.

ربما كان الطلب على العمال الأجانب ضرورة في أوائل فترة بناء الدولة والمؤسسات، حيث لم تتوافر محلياً إلا مستويات منخفضة من التعليم والمهارة. ولقد حققت بلدان الخليج ارتفاعاً نسبياً في مستويات المعيشة من خلال الاستثمار في البنى التحتية لدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وناتجاًُ محلياً اجمالياً للفرد عام 2008 أعلى مما في بلدان الاتحاد الأوروبي كمجموعة. ولكن من الضروري الآن إعادة تقييم الهيكليات التنموية الاقتصادية الحالية وإعطاء الأهداف الاجتماعية والبيئية أولوية أعلى.

إذا التزمت بلدان مجلس التعاون الخليجي نسب نمو اقتصادي معقولة تتماشى مع حاجات مواطنيها، فسوف يكون هناك طلب أقل نسبياً على قوة العمل الوافدة. وهذا من شأنه أن يخفف الضغط على الموارد الطبيعية ويتيح مزيداً من الفرص لزيادة نسبة مشاركة المواطنين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعاتهم.

وللأسف، يمكن القول إن مقداراً لا يستهان به من النمو الاقتصادي في البلدان العربية تحفزه الرغبة في تجميع ثروة اقتصادية خاصة، حتى لو كان ذلك غير منصف اجتماعياً وكارثياً من الناحية البيئية. إن السعي من أجل تحقيق نمو لا يراعي الحدود الايكولوجية والمضامين الاجتماعية لا يبدو في المصلحة الوطنية للبلدان العربية على المدى الطويل. لذلك، يتوجب على القادة السياسيين والمخططين الاجتماعيين تحديد أي مستوى ونوع من نمو الناتج المحلي الاجمالي مطلوب للحفاظ على مستوى كاف من الرفاه. وقد استنتجت دراسة اقتصادية حديثة أن «النمو الاقتصادي، بعد مستوى معين، يوفر تحسناً قليلاً في الرفاه الاجتماعي».

إن اقتصاداً يُبنى على ارتفاع نسب الاستهلاك الفردي ويتجاهل الحدود الايكولوجية سوف يتعرض لنكسة خطيرة على المدى القصير في مجالي الرفاه ونوعية الحياة، بصرف النظر عن ارتفاع مستوى الدخل الفردي أو الناتج المحلي الاجمالي. وقد وصف العالم الاقتصادي هرمان دالي هذا السيناريو بأنه «نمو غير اقتصادي»، حيث تكاليف النمو تفوق الفوائد. وحالياً تقدر التكاليف الاقتصادية للنمو بأقل مما ينبغي، لكنها قد تصبح كبيرة في المستقبل، تصاحبها تداعيات تتجاوز انعدام الأمن الاقتصادي لتشمل عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

يجب أن تعطي سياسات التنمية الاقتصادية الأسبقية للاستدامة، على أن تُعطى الجوانب الاجتماعية والبيئية الأهمية المناسبة. وفضلاً عن ذلك، فان الاستثمارات مطلوبة لتحسين انتاجية موارد اقتصادات المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق باستهلاك المياه والطاقة، في ظل شح المياه واستهلاك الطاقة بمستويات أعلى كثيراً من المعدل العالمي.

 

العجز البيئي والأمن الاقتصادي

إن العجز في الخدمات البيئية في المنطقة العربية، مدفوعاً بارتفاع نسب النمو السكاني والاستهلاك الفردي، يطرح تحديات للبلدان العربية حول إدارة الطلب على الرأسمال الطبيعي، إزاء تاريخ من شح المياه وانعدام الأمن الغذائي والفقر.

هناك مصادر متعددة تعجل استفحال هذه القيود التي تحد من النمو. أحدها الاعتماد المفرط على المستوردات لتلبية الطلب على المنتجات الرئيسية. هذا يجعل البلدان العربية عرضة لاضطرابات في سلاسل الامدادات العالمية ولقيود تجارية وتقلبات حادة في الأسعار. ويشكل تمويل هذه المستوردات مصدراً لقيد اقتصادي آخر، لأن موارد الوقود الأحفوري محدودة أصلاً وأسعار النفط الخام معرضة لدورات اقتصادية عالمية، تؤكد جميعها أخطار اقتصاد استخراجي وحيد المصدر. وتمول البلدان العربية المنخفضة الدخل مستورداتها عبر الاقتراض الخارجي والمساعدات الأجنبية، ما يضيف ديوناً الى الأجيال المقبلة. ومع تصاعد الديون الخارجية ومدفوعات الفوائد المترتبة على هذه البلدان، تتلاشى امكاناتها لتحقيق أمن وبقاء اقتصادي.

المخاوف المتعلقة بالصحة العامة تضع أيضاً قيوداً على الرفاه. وهناك أدلة كثيرة على أن للتوسع المُدني غير المنضبط، مصحوباً بأنماط استثمارات غير مسؤولة في البناء والتصنيع والسياحة، إضافة الى استهلاك الموارد التي تستلزمها هذه النشاطات، تأثيرات سلبية على البيئة، ما قد يتسبب بنشوء أو انتشار أمراض كثيرة.

وهناك مجال آخر لقلق كبير حالياً هو الحفاظ على صحة مصائد الأسماك وإنتاجيتها. فلو أخذنا منطقة الخليج كمثال، لوجدنا أن مخزونات الأسماك هناك أمدت المواطنين بمصدر رئيسي للغذاء والدخل منذ مئات السنين. وهناك أدلة متزايدة على تصاعد الضغوط على المصائد البحرية، ما يؤدي الى تدهور بعض أنواع الأسماك. ومن علامات تدهور المصائد استثمار بعض بلدان الخليج في إقامة مزارع أسماك بحرية لتلبية الطلب المحلي. وقد تمخض الاستعمال المكثف للمواد الكيميائية والعلف المصنَّع وتقنيات التسمين المتسارع في هذه المزارع عن مجموعة من العواقب البيئية والصحيّة.

فضلاً عن ذلك، تثير نشاطات التصنيع والتوسع المُدني المكثفة في المناطق الساحلية مخاوف حول التصريف غير المنضبط للمغذيات في الخليج، خصوصاً الصرف الصحي والزراعي. وهذا يؤدي الى كثير من العواقب البيئية السلبية، مثل ظاهرة المدّ الأحمر حيث تنتشر الطحالب الضارة، ما يسبب تهديداً مستمراً للسياحة وصيد الأسماك والنظم الإيكولوجية البحرية، وإمداد مياه التحلية، مع خسائر اقتصادية كبيرة. فعلى سبيل المثال، وُصف المدّ الأحمر خلال الفترة 2008 ـ 2009 في المياه الساحلية لعُمان والامارات وقطر وإيران بأنه كارثي، إذ تسبب في نفوق آلاف الأطنان من الأسماك وحدّ من عمليات الصيد التقليدية وأتلف الشعاب المرجانية وأثر على السياحة الساحلية ودفع الى إغلاق محطات التحلية في المنطقة.

 

المطلوب: مبادرات للحكومات العربية

باختصار، أدى الارتفاع السريع في أعداد السكان وارتفاع مستويات الاستهلاك الفردي إلى تجاوز البصمة البيئية للبلدان العربية القدرة البيولوجية المتوافرة في السنوات الثلاثين الماضية. ونتيجة لذلك، تعتمد الاقتصادات العربية على التدفقات التجارية العالمية لاستيراد المواد الغذائية والمياه الافتراضية والمنتجات الرئيسية الأخرى. وزادت اضطرابات